حصار واستهداف، وغابات من الفزع الرهيب الذي يطوف حولنا! طرحت سؤالي في مقالتي السابقة لعلي أقرأ هواجس البشر وخواطرهم فيما يحدث في وطننا العربي.
الإشكالية ليست فيما يحدث من قتل ودماء فحسب، وإنما فيما يخطط لنا من تدمير في ذلك المثلث الرهيب "العنف، التطرف، المخدرات".
مثلث يحوط الوطن بأكمله ليغرق في هذا المثلث، إذ يؤدي كل ضلع دروه فيصب في بعضه بعضا كالأواني المستطرقة، ويغرق الإعلام في طرف ويغفل عن الآخر، فينشط بدوره كأداة للقتل والسلب والنهب والإقصاء والكراهية فيتمزق الوطن شر ممزق!
وفي هذا الشأن، تنبهت إلى هذه الكارثة وزيرة الشؤون الاجتماعية في مصر، وكم من الكفاءات النسائية اللاتي إذا وُضعن في الموضع الصحيح كن خيرا وعطاء يفوق كثيرا من الرجال، ولهذا كانت دعوتها إلى مؤتمر محاربة الإدمان داعية فيه جميع الوزارات للتعامل معها في هذه الكارثة؛ حتى إنه اتخذ قرار مهم وهو فرض التحاليل الطبية على أي موظف في الدولة، فإذا ما اكتشف أنه متعاط يتم فصله.
كنت أتمنى أن يتم طلب التحاليل الطبية عند استخراج أي مستند أو تخليص أو تجديد أي معاملة؛ فيصبح التحليل قاسما مشتركا كي نحمي أوطاننا وأزواجنا وأبناءنا من مخطط الإغراق الذي يتم في غفلة، وبهذا تكون المكافحة من الداخل أكثر فعالية من الخارج.
ومما لفت النظر أيضا، استدعاء نقابة المهن التمثيلية كي تعمل على حظر الأعمال الفنية التي يظهر بها المتعاطي وكأنه أصبح نافذة للتقليد بين الشباب. والفن جد خطير في هذا الشأن، فهناك فنون التخدير، وهناك مخدرات الفنون، والفرق بينهما كبير إلا أن الاثنين يؤديان بالوطن إلى الهاوية.
ففنون التخدير هي ما اصطلح عليه في المصطلح الماركسي "تغييب الوعي" وهي تلك الفنون التي تعمل على إقصاء التفكير وإشغال الناس في فنون لا تحث على طرح المشكلات. وقد عمل الدكتور أحمد المغازي دراسة كبيرة في ثلاثة مجلدات عن فنون التخدير في الخمسينات في مصر. وساق أمثلة كثيرة على ذلك بأعمال كثيرة ونجوم كبار يتصدرون الفن المصري وبطبيعة الحال يكون المعطى الفني نفسه هو المخدر بعيدا عن مشكلات المخدرات نفسها؛ أي أنه نفسه يصبح بدوره مخدرا للشعوب فتغرق في ذواتها ويغيب الوعي، وهنا تكمن مشكلة كبيرة بطبيعة الحال.
أما مخدرات الفنون فهي ما نراه على الشاشات في يومنا هذا ومنذ الثمانينات؛ مثل فيلم المدمن للفنان أحمد زكي، أو فيلم النمر والأنثى للفنان عادل إمام والفنانة آثار الحكيم، ولكنها كانت إلى حد بعيد تحمل عظة لمن يحسن التلقي ويتخذ العظة التي لا تتوافر لدى المشاهد العربي الذي يجنح إلى التقليد.
أما في الآونة الأخيرة، فقد ظهر الفن بصورة أكثر بشاعة وانحطاطا خلقيا، مثل فيلم "عبده موتة" لمحمد رمضان، وفيلم اللمبي الذي شاهده الملايين من أبناء الوطن العربي؛ وترك موجة من الإدمان بعد هذين الفليمين، لأنهما كانا أكثر انتشارا.
كما أن المسلسلات والأفلام تظهر المدمنين بصورة غير معالجة لغياب الكاتب المحترف، وهذا يرجع إلى جشع المنتجين وعدم أمانتهم على مجتمعاتهم.
إن جشع المنتج وأيضا جشع الكتاب الدراميين كانا السبب الوحيد وراء هذا الجرح الغائر في وجدان الوطن، فإذا ما سألنا عن الكُتاب الكبار نجدهم يتعاطون أجورا مجحفة جدا بالنسبة للمنتجين، إذ يتعاطى ما بين المليون فأكثر على النص الدرامي وهناك قاعدة تقول، إن للكاتب نصف أجر النجم، فإذا كان عادل إمام يتقاضى خمسة وثلاثين مليونا عن المسلسل فسيكون أجر الكاتب نصف المبلغ، وهذه كارثة لا يعيها النجم سواء كان كاتبا أو ممثلا، ومن هنا أصبح المنتج يلجأ إلى الكُتاب الصغار فيعطيه الفكرة ويكتبها كما تملى عليه، وهذه كارثة نرى أصداءها واقعا فينا، ومن هنا لا يعرف الكاتب الصغير آليات التأثير والتأثر في التلقي، وبالتالي يخرب المجتمع دون أن يعي!
وقد أعجبني قول السيناريست "أيمن سلامة" وهو كاتب أكاديمي محترف ونادر: "الكاتب جراح مخ وأعصاب"، وهذا قول صحيح لأن الكاتب يعبث في وجدان المتلقي كيفما شاء، ولي نظرية في هذا وهي البعد الخامس في التلقي، والتي ترجمت إلى لغات عدة، لأن الغرب يعلم قيمة ما يحدثه المعطى الدرامي في وجدان الناس وتغيير تفكيرهم، لكننا لا نتعامل مع الفن إلا أنه وسيلة للتسلية والتقليد.
حينما أنشئت مدينة الإنتاج الإعلامي وظهرت الديكورات والقصور والفخامة، تحول أثاث منازلنا وأبنية بلادنا وانتشرت سكنى القصور والفيلات، دون أن نعلم أنها مجرد خدع ومناورات فنية تقلب كل شيء في حياتنا.
ومن هنا نؤكد على دور الكاتب الدرامي لأن الدراما -أي المادة المكتوبة- من أخطر الأمور على المجتمع، ولذلك تنشأ لها الجامعات في بلاد العالم عدا بلادنا.
فالكاتب المتخصص المحترف هو من يصنع وجدان الشعب صناعة فائقة الدقة والحرفة ولها آليات شديدة الدقة! ولندلل على ذلك كيف كانت القيم والأخلاق في مجتمعاتنا أيام الكتاب الكبار مثل طه حسن ونجيب محفوط ورشاد رشدي، وعلى سبيل المثال فيلم "شيء من الخوف" فهو قصة الكاتب الكبير ثروت أباظة وسيناريو صبري عزت وحوار الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي، وكذلك فيلم "الأيدي الناعمة" من تأليف توفيق الحكيم، ثم فيلم "الناصر صلاح الدين" للمخرج يوسف شاهين إنتاج 1963، وهو قصة يوسف السباعي، وسيناريو وحوار محمد
عبدالجواد ونجيب محفوظ، وعبدالرحمن الشرقاوي
وغير ذلك من الأفلام التي نهضت بالأمة! ثم فترة الثمانينات والتسعينات فنجد كتابا كبارا مثل محسن زايد، ووحيد حامد وأسامة أنور عكاشة ومصطفى محرم وبسيوني عثمان ومحمد السيد عيد ومحفوظ عبدالرحمن، أساطين الكتابة؛ تأملوا في أسماء الكُتاب وفي حال المجتمعات حينها، وقد خصصت الكتاب المصريين لأن الدراما المصرية هي المصدَرَة لكل الوطن العربي، وبعد هذا كله أسأل سؤالا هاما: من الذي يكتب هذه الأيام؟ هذا سؤال يحمل بداخله إجابة عن حصار مثلث الرعب الذي ذكرناه في بداية المقال.