تقول براهين معادلات السوق إن الاقتصاد الجزئي "micro economy" هو من يفتح سوق الرزق وأبواب الكسب العادل المشروع ونوافذ المنافسة أمام الآلاف، بل الملايين أمام المواطنين الذين يعيشون في القاع المجتمعي. تقول الحقائق ذاتها إن هذا النوع من الاقتصاد يكمن في بناء أفكار المشروعات الصغيرة التي تنقذ مواطني القاع بعكس نظريات الاقتصاد الكلي "macro economy" الذي يذهب لتكريس الثروة إلى رأس هرم المثلث الاجتماعي. تقول حقائق السياسة إن الرئيس الأميركي "بيل كلنتون" سيكون "تمثالا" أسطوريا بعد مئة عام من اليوم، لأنه أول رئيس أميركي استطاع في ظرف ثماني سنين من خلق 120 مليون وظيفة في أفكار اقتصاد التجزئة وعالم "البزنس" الفردي الذي يقوم على استهداف حياة 120 مليون عائلة أميركية.

خذوا هذا المثال: ما قبل الأمس وقفت شخصيا على مأساة بضعة ومئة صياد تقليدي في مياه البحر الأحمر بقرية صغيرة على الساحل اسمها "عمق"، وأنا اليوم لا أكتب قصة قرية ساحلية ثانوية على هذه الخريطة بقدر ما أحاول أن أكتب ملامح سيطرة الاقتصاد الكلي على عدوه الجزئي. والقصة الأصل تعود إلى ذات زمن قريب تبنت فيه وزارة الشؤون الاجتماعية، مشكورة، بناء رصيف صيد أسماك ثم عملت خلاله على إعطاء قروض سهلة ميسورة لما يقرب من 150 رب أسرة في هذه القرية الساحلية المغمورة لاقتناء قوارب صيد صغيرة وحديثة. وكما سمعت قبل الأمس من أفواه هؤلاء البسطاء فإن كل قارب من تلك كان يعطي دخلا يوميا يتراوح ما بين "600 – 900" في اليوم الواحد، وظلوا هكذا لما يقرب عشر سنوات ولكن ما الذي حدث؟ ما حدث بالضبط أن طغيان نظرية الاقتصاد الكلي سيطر على نوافذ وأبواب هؤلاء البؤساء: اختصر ما كان يقرب من 150 قاربا صغيرا في مجرد ثلاث سفن صيد تبحر فيها كتائب العمالة الآسيوية بالتحديد بكل إمكانات الصيد العملاقة. ما يحزنني جدا جدا أن أصحاب القوارب القديمة أصبحوا اليوم مجرد زبائن على شاطئ القرية. يشترون نزرا يسيرا من الخراج الهائل لسفن صيد ثلاث بعد أن كانوا يبحرون لأرزاقهم كل فجر بـ150 قارب صيد. أشعر اليوم ببالغ الحزن والغبن وأنا أستمع لجملة حزينة من فم ستيني من أبناء هذه القرية وهو يقول: خلال بضعة أشهر فقط نزل دخلي اليومي من 500 ريال إلى مئة ريال فقط، أشعر بالحزن والغبن لأنني شاهدت بأم عيني عشرات قوارب الصيد الصغيرة التي يتحدث أربابها باللغة "السعودية" الخالصة وهي تتآكل من الصدأ وبذات العين أيضا شاهدت سفينة "الاستغلال" الكبرى بلكنتها العربية الآسيوية التي حولت أحلام قرية سعودية خالصة إلى مجرد زبائن على رصيف ميناء تم إنشاؤه بفكرة استثنائية.

أختم: أنا اليوم لا أكتب حكاية قرية يموت دخلها واقتصادها بلا تدخل عاجل لإنقاذها بقدر ما أكتب قصة ملايين الفرص التي يتم إعدامها يوميا أمام المواطن المستحق في كل رصيف وميناء وشارع.