دائما ما يطرح الآخرون على الكثير من الناس أنهم يحبون أن يختلفوا مع مجتمعهم وهي تهمة لم تسلم منها التيارات التي تميل إلى الانفتاح تحديدا، ربما لتهمة التغريب أو غيرها، لكن القضية ليست بهذا الأمر وإنما بدرجة الوعي في أي خطاب ثقافي أو اجتماعي أو سياسي يطرح على الجماهير.
الوعي يتطلب الاختلاف عن السائد بالضرورة سواء قصدت ذلك أم لم تقصد والأهم أن تكون مختلفا وواعيا بهذا الاختلاف وأبعاده، فهذا سر استقلاليتك لكن هذا الاختلاف لا يمكن أن ينتج فاعليته إلا من خلال العمل على الذات، ومن خلال معرفة مدى قيمة ما تعمل عليه من اختلاف يمكن أن تطرحه للآخر وتحاول إقناع الآخر بمدى فاعليته، حتى وإن كان ذلك مخالفا لما يريده الناس أو يتقبلونه تقبلاً مبدئياً، وتتميز قيمة الاختلاف بمدى صدورها عن ذاتك المفكرة أو المستقلة من غير أن تكون مجرد تقليد للآخرين، فقيمتك هي قيمة تفردك، وقيمة تفردك ناتجة عن قيمة وعيك بذاتك ووعيك بقدرتك على التغيير أو الاختلاف.
في مقابل ذلك فإن الخوف من الاختلاف يوحي بعدم ثقة المجتمع من قيمه أو من فكره، وهنا تصبح شرعيته مهزوزة قليلا أمام كثير من الخيارات الأخرى التي تطرح ذاتها بقوة بجانب الفكر التقليدي والهشاشة التي يحملها الفكر التقليدي أكثر مما يتوقع صاحبها، وهذا ما يجعل التحولات في المجتمع سريعة جدا، خاصة حينما استطاع المجتمع الانفتاح على الآخر انفتاحا شبه مباشر، ولذلك نحن نرى المجتمعات التي فيها خيارات متعدد أكثر قابلية للمختلف من المجتمعات التقليدية. في المجتمع السعودي مثلا نرى قابلية الاختلاف لدى المجتمعات التي تحتك بشكل يومي مع أفراد من مجتمعات أخرى كالمنطقة الغربية من مدينة جدة مثلا، أو المنطقة الشرقية، في حين تقل في المناطق التي لم تسمح لها ظروفها الإقليمية والتاريخية
بالاحتكاك بالآخر كالمناطق الوسطى أو الشمالية أو الجنوبية من المملكة، وهذا ناتج عن قلة التواصل مع الآخر، والانغلاق الثقافي تجاه الثقافات الأخرى أو المجتمعات القريبة أو البعيدة حتى الإسلامية أو العربية. هذا غير التصورات المبالغة والخاطئة في بعضها أحياناً عن المجتمعات الأخرى وكأننا في عزلة ثقافية تاريخية طويلة المدى.
ومن الواضح تماما عند المراقب أن المجتمع السعودي متعدد الهويات الثقافية والفكرية داخل الهوية المركّبة (الإسلام/السعودية) من قبيل الهويات أو العادات أو التقاليد أو غيرها، وفي خضم هذه الاختلافات والهويات المتعددة تنشأ متوالية من الأسئلة من قبيل: إلى أي حد يمكن قبول هذا الاختلاف؟ أو إلى أي مدى يمكن الحد من تشظي هذه الهويات بحيث لا يتحول إلى صراع ثقافي أكثر منه اختلافاً ثقافياً مقبولاً؟ أي كيف يمكن الحديث عن انسجام ثقافي أو سياسي بينها على تعددها؟.
في إطار الفلسفات الحديثة التي سعت إلى نقد الحداثة الغربية تظهر نظريات "التواصل" كمعين فكري واجتماعي ولغوي على لملمة شظايا الفلسفات الاختلافية. يبرز لدينا الفيسلوف يورغن هابرماس كأحد أهم فلاسفة ما بعد الحداثة من خلال حماسه الكبير في صياغة نظرية نقدية تواصلية حين قام بنقد العقل التنويري أو الحداثي بوصفه عقلا "أداتياً"، وإن كان مفهوم العقل
الأداتي سابقا على نظرية التواصل عند هابرماس، وعلى الرغم من أنه أحد نقاد الحداثة الغربية؛ إلا أنه لم يقم بتقويضها كما فعل غيره، بل هو أقرب إلى مفهوم تجديد هذا العقل فـ"الحداثة" لديه "مشروع لم يكتمل" كما هو الشعار المشهور عنه في أحد كتبه، ففي نظره كان بدلاً من الدعوة للتخلي عن الحداثة أن نعيد مراجعتها وفحصها نقديا، وإظهار سلبياتها وإيجابيتها، لذلك عمد إلى اقتراح العقل التواصلي للحداثة الغربية كبديل فكري عن العقل الأداتي المتمركز حول الذات الغربية.
ويضعنا هابرماس أمام عملية استراتيجية في مسألة التواصل بين الذوات المختلفة حيث تأتي تعددية هابرماس في مفهومه حول الفعل التواصلي من خلال التزامه بقيم الحداثة والتنوير أولا، ثم أخذه بعين الاعتبار التاريخ النقدي للعقل ثانيا. إضافة إلى مطالبته التقاليد التراثية بضرورة انفتاحها على العصر والنقد والمراجعة ثالثا. ثم إغناء الفضاء العمومي أو المجال العام بكل أشكال وقنوات التواصل الفردية والجماعية رابعا. وفي الأخير عالج ذلك كله في إطار الدولة الدستورية عبر النقاشات الديموقراطية التي تأسست على الصالح العام.
ولعل الاستراتيجية التي قامت عليها النظرية عند هابرماس أن تسعفنا قليلا في الكيفية التي يمكن أن يتحدد من خلالها ذلك التواصل. حيث الالتزام بالمكتسبات الاجتماعية والوطنية لهذه الدولة على اعتبار أننا أبناء وطن واحد عشنا كل مراحله وتقلباته وتحولاته التاريخية بحيث يكون هو الركيزة التي يمكن أن نتحلق حولها. إضافة إلى عملية النقد المتواصلة لبعضنا البعض ونقد مشاريعنا الفكرية والمذهبية والوطنية وغيرها. النقد الذي يعني مساءلة كل ذلك مساءلة فكرية واعية دون الخوف من عملية النقد. كما أنه من المهم أن ننفتح على كل التيارات الفكرية العصرية ونستفيد منها في تطوير أدواتنا الفكرية والاجتماعية، ولعل برنامج الابتعاث هو أحد أشكال ذلك الانفتاح ـ كمثال غير حصري ـ. كما أننا بحاجة إلى نوع من خلق أدوات عديدة للتواصل سواء كان ذلك التواصل من خلال التقنيات الحديثة كمواقع التواصل الإلكتروني أو التقنيات التقليدية كالمؤسسات الاجتماعية والثقافة وغيرها حتى يمكن أن نخلق فضاء عمومياً.
لكن برأيي أن أهم نقطة من نقاط التواصل هو أن تكون الروح الديموقراطية في التواصل حاضرة وحرية التعبير حاضرة من غير أن نخاف من عمليات النقد أو التواصل كما يحصل حاليا، فمن غير حرية كاملة في التعبير فإن جميع عمليات التواصل سوف تذهب أدراج الرياح، وتنهدم عملية التواصل من أساسها.