هو ذاته نفس الصديق العزيز الذي قال لي مازحا "ناصحا" قبل سنوات حين تقابلنا في مكان عام: لماذا هذا الإصرار منك يا "علي" على شراء سيارة أميركية تحمل إشارة الصليب ودلالاته في مقدمة السيارة وبابها الخلفي؟ لكنني اكتشفت أن بعض جمل النصائح قد تحتاج إلى بضع سنين لتأتي جملة الرد وهو ما كان بالضبط مساء ما قبل البارحة. ومساء ما قبل البارحة، بالتحديد، استقبلت هذا الصديق العزيز أمام باب منزلي بعد غيبة طويلة، وهنا الجملة الأولى التي استقبلته بها بينما كان يحاول ببضعة أزرار في يديه إطفاء محرك السيارة وقفل أبوابها ومصابيحها الكثيرة، قلت له مباشرة: لماذا هذا الإصرار منك يا "؟؟؟؟؟" على شراء سيارة أوروبية تحمل صليبا واضحا بكل دلالاته لا على الأمام والخلف فحسب، بل في كل الشاشات والأزرار الإلكترونية التي جعلت قيادة أي سيارة في السنوات الأخيرة مجرد رحلة لأصابعنا العشر التي تتناوب لمس وغمز عشرات المفاتيح في سياراتنا، ومع كل لمسة أو غمزة تُظهر لنا الدلالات والرموز التي كنا نحرِّمها من قبل. وفي جوابه المباشر، تأكدت تماما أن الزمن كفيل بتغيير الفكرة وتهذيب النصيحة. قبل أن تلامس كفاي يديه مرحبا قال لي بالحرف الواحد: لو أننا يا "علي" نقاطع كل بضاعة تحمل اسما أو رمزا لكنا نقطع شوارع هذه المدينة على ظهر حمار.

هنا بضع حقائق لم يتسع الوقت أن أسردها على مسامع صديق، وناصح قديم، كان ذات زمن شيخا لأفكار المقاطعة. الحقيقة الأولى أن مصنع العالم الأول متمثلا في "الصين" يباهي اليوم أن رموز "بوذا" ودلالالته المختلفة مدموغة على أكثر من مئة ألف منتج صناعي تصنع في الصين ويتم تصديرها إلى 220 دولة. وخذوا بالمثال أن 95% من أزرار الملابس وحدها، ففي كل هذا العالم "صنع في الصين" فماذا سيحدث لو أن كل فرد من بيننا فكر في رموز هذه الأزرار؟ كنا سنمضي في شوارعنا بصدور عارية لا مكان فيها لأزرار ثوب أو سروال أو قميص. الحقيقة الثانية أنه لا يوجد دواء علاجي واحد من حبوب وسوائل التخدير ومسكنات الألم البشري لا يحوي ولو نسبة ضئيلة من مقادير "التخدير" والكحول، ولو أننا استمعنا إلى خطب المقاطعة العاصفة لكان حراما محرما أن نستورد حتى علب "البنادول"، تقول الحقيقة الثالثة إن كل "روشتة" من أصابع طبيب تحوي علاجا لمهدئ أو مخدر بينما تقول الحقيقة الرابعة والأخيرة إن ثلاثة من بين كل أربعة كراتين بضاعة تدخل لمنزلنا تحوي دلالة أو رمزا لشعار ديني. نحن عالة على شرق آسيا وغرب أوروبا وشمال أميركا في كل ما تلمسه أصابعنا أو تبلعه أفواهنا أو حتى تضربه "الإبر" في جلودنا، البديل الوحيد لكل هذا أن نعيش في الكهوف وأن نضرب الأرض على "أكباد" الحمير.