مرّت اليوم الذكرى السابعة والستون على النكبة العربية الكبرى المتمثلة باحتلال فلسطين عام 1948 وإعلانها وطنا لكل اليهود في العالم.

لن نتتبع اليوم آثار قيام الدولة العبرية في الدول والمجتمعات العربية، إنما سوف نتتبع تأثير هذه الواقعة في اليهود أنفسهم.

عندما أعلنت فلسطين وطنا يهوديا شُرّد الفلسطينيون العرب من وطنهم الذي عاشوا فيه، واضطروا إلى النزوح لدول الجوار العربي، وأصبح حصارهم الأول والأخير أنهم مواطنون بلا وطن!

صحيح أن نشوء الدولة العبرية قد أسهم في بقاء عرب 48 في بيوتهم وأماكن وجودهم الأصلية في فلسطين، وأصبحوا اليوم مواطنين إسرائيليين لهم تمثيلهم البرلماني في "الكنيست"، ولكن هذا لا ينفي كونهم أقلية بالنسبة لمجتمع الدولة العبرية التي جاء مواطنوها من جميع أنحاء العالم، ومن ضمنها الدول العربية: مصر، العراق، اليمن، تونس، المغرب وغيرها، غير أن اللافت في قضية الهجرة اليهودية إلى الدولة الصهيونية، بالنسبة لليهود الذين كانوا ضمن النسيج السكاني والاجتماعي لبعض الدول العربية، هي أنهم أجبروا على الهجرة وترك أوطانهم التي عاشوا فيها مئات بل آلاف السنين، حيث إن استلاب الوطن الفلسطيني قد دعا بعض الأنظمة العربية إلى طرد اليهود من البلاد، وأحيانا كان الأمر طواعية، حيث نشأت حساسيات مفرطة ضد اليهود في البلاد العربية نتيجة للفعل الشنيع الذي قامت به الصهيونية العالمية بتأسيس الوطن العبري، وهذا ما انعكس كصورة نمطية على كل اليهود باعتبارهم محتلين وقتلة ومجرمين!

لقد كان تأسيس دولة إسرائيل وبالاً على العرب الفلسطينيين من جهة وعلى اليهود الشرقيين من جهة أخرى، فالمجتمعات العربية قد رفضت وجود المكون اليهودي ضمن مجتمعاتها، ولم يكن هذا الرفض الحاد موجودا قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي، حيث كان اليهود أحد مكونات الدول العربية، تواجدوا في هذه المناطق منذ وجود الدول العربية في التاريخ الإسلامي، كالدولتين الأموية والعباسية، والدولة الأموية في الأندلس، حتى سقوط الدولة العثمانية، حيث لم يكن مستغربا وجود المواطن الذي يدين باليهودية، وقد عمل غالبهم في مهن لها أهميتها كالطب، والفلسفة، والتجارة، والفنون وغيرها، وكانوا يعيشون كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.

إلا أن التحول في الوجود اليهودي في العالم العربي بدأ بعد تأسيس دولة إسرائيل، وكان حمل يهود العالم على الهجرة إلى فلسطين هدفا جهنميا قد عمل اليهود أنفسهم عليه، من خلال ترغيب اليهود في العالم بالوطن الجديد، وترهيبهم بأنهم لكن يجدوا مكانا آمنا للعيش، لا سيما بعد نشوب الحرب العالمية الثانية وانتشار قضية المحرقة اليهودية (الهولوكوست) التي قام بها الزعيم النازي "هتلر" ضد بعض اليهود في ألمانيا، وقد استثمرت هذه القضية استثمارا معنويا وماديا كان من نتائجه الإسهام في تأسيس الدولة العبرية وتقوية أركانها.

لقد رحل بعض اليهود من البلاد التي عاشوا بها في مصر والعراق واليمن وتونس والمغرب مجبرين، لكنهم رفضوا الهجرة إلى الدولة العبرية التي أقامها اليهود الغربيون في إسرائيل، واختاروا الهجرة إلى دول غربية أخرى مثل بريطانيا وفرنسا وأميركا.

ونتيجة للضغط السياسي والاجتماعي العربي على اليهود اضطروا للمغادرة، حاملين معهم ذكرى وطن وثقافة كانوا يشعرون بالانتماء إليها ولكنهم فجأة فقدوا ذلك في حالة أشبه بفقدان الذاكرة.

صحيح أن اليهود هاجروا من البلدان العربية لكنهم حملوا معهم الذكريات، ومواقع التواصل الاجتماعي تحفل بالعديد من البرامج والأفلام الوثائقية التي تحكي مثل هذه القصص، فقد درس هؤلاء وتعلموا في مدارس عربية، ونشأوا في مجتمعات عربية لم تكن ترفضهم كل هذا الرفض على من كونهم مثل غيرهم من الأقليات.

يقول الكاتب الإسرائيلي اليهودي من أصول عراقية "سامي المعلم"-الذي اتخذ اسم سامي موريه- إنه جال العالم ولم يجد أجمل من رائحة "المسكوف" العراقي، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الوطن بالنسبة للإنسان هو الذاكرة والذكريات. لقد عاش المسلمون واليهود والمسيحيون عبر التاريخ في مناطق جغرافية واحدة في دول واحدة، وكان التعايش بينهم موجودا ينطلق من "الأنسنة"، إلى أن حلّت بالعرب واليهود النكبة الكبرى المتمثلة باحتلال فلسطين، ومصادرة وطن الفلسطينيين الذي عاش فيه أتباع الديانات الثلاث جنبا إلى جنب دون مشكلات لقرون طويلة منذ أن دخل عمر بن الخطاب القدس بشكل سلمي، إلا أن السياسة فعلت فعلها وكان البسطاء من الناس ضحايا أطماع السياسيين وتوجهاتهم.

الأمر ذاته بالنسبة لليهود من الدول الأخرى، فاليمنيون حين هاجروا إلى دولة الكيان الصيهوني كانوا يحلمون بحياة كريمة، لكنهم وجدوا أنفسهم نادمين وهذا ما جعلهم يتمسكون بثقافتهم ولكنتهم اليمنية، والأمر ذاته بالنسبة لليهود المصريين والمغاربة والتونسيين.

الوطن ذاكرة لا يمكن نسيانها، وليس كل اليهود راضين عمّا يحدث من جرائم صهيونية بحق أهلنا العرب في فلسطين، بل إن بعض اليهود الذين عاشوا لقرون في المناطق العربية ممن هاجروا إلى إسرائيل قد وجدوا أنفسهم غرباء في وطن لا ينتمي لهم ولا ينتمون له. واليوم يوجد مواطنون يهود في بعض الدول العربية وهم قلة، لكنهم يكملون حياتهم وإن بشكل انطوائي يتمثل بالانغلاق على ذاتهم الثقافية، بل يحاولون التخفي بشكل يصعب معرفتهم وتمييزهم عن غيرهم، وهذه جريرة النكبة المتمثلة باستلاب الوطن الفلسطيني من مكوناته الدينية والاجتماعية والثقافية، ليطغى عليه المكون الواحد اليهودي!

يجد اليهود المنحدرون من دول عربية الكثير من الحنين إلى الجذور في الأوطان التي عاشوا بها، وفي إسرائيل اليوم الكثير من التكتلات اليهودية العربية التي يمارس فيها كل فئة ثقافتهم المنحدرين منها، سواء في المأكل أو الملبس أو الفنون أو اللغة المتمثلة باللكنة العربية.

ربما هذه هي المرة الأولى التي نستحضر فيها النكبة اليهودية بهذا الشكل، فمن باب أولى أن يستحضر اليهود العرب معاناة الشعب العربي الفلسطيني الذي ما زال يقاوم النفي والإقصاء، في ظل سياسات ممنهجة لإلغاء المكون الفلسطيني العربي من الذاكرة الجغرافية والسياسية والاجتماعية لفلسطين، وهذا ما يستلزم أن يطالب العالم بوجود حل جذري سلمي يعيد السلم والأمن والهدوء لفلسطين التي تتنفس العنصرية الصهيونية كل يوم مع عبق تاريخها!