لحسن الحظ أن السياسة الأميركية أصبحت مفضوحة ومكشوفة على العالم أجمع، فهي تعترف رسميا بأنها لا تؤمن بالصداقات الدائمة، ولا تفهم إلا لغة المصالح المؤقتة التي تحقق أهدافها وتخدم مبادئها وتحاكي تطلعاتها.
لذا نجحت دويلة إسرائيل في تطويع المارد الأميركي لصالحها، فحققت تحت قبة الأمم المتحدة 86 تأييدا أميركيا لسياساتها العنصرية والعدائية والاستيطانية.
كما نجحت الصين الشيوعية تحت قبة العولمة الرأسمالية في قلب موازين التجارة العالمية على رأس المكانة الأميركية، ليتخطى للمرة الأولى في التاريخ حاجز حجم التبادل التجاري بين الدولتين لصالح الصين بما يزيد عن 342 مليار دولار أميركي في العام الماضي فقط.
وكذلك نجحت روسيا الاتحادية في اقتراف أول احتلال لدولة سيادية بعد الحرب العالمية الثانية لتنقض تحت أعين أميركا العظمى على جزيرة القرم وتحتل جزءا لا بأس به من أوكرانيا الأوروبية.
وبعد أن اتهمت أميركا عبر ربع قرن كوريا الشمالية وكوبا وإيران بالدول المارقة، ووصفتها بمثلث الشيطان على مستوى العالم، تتجاهل أميركا اليوم السباق النووي في كوريا الشمالية، وتتلاشى أحقاد أميركا تجاه كوبا، وتتقارب وجهات نظر أميركا مع إيران، ليزداد الملالي في غيّهم ويتمادوا في تدخلهم بالشأن العربي وتهديد أمنه.
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى أطلق رؤساء أميركا 8 مبادئ متعاقبة، تعكس جميعها شغف الإدارة الأميركية في السيطرة على مسرح الأحداث الدولية، وتوثق أهدفها الثابتة لتنمية مصالحها المؤقتة وتوسيع قاعدة نفوذها في مختلف قضايا القرية الكونية.
المبدأ الأول أعلنه الرئيس الأميركي "جيمس مونرو" خلال شهر ديسمبر 1823 في رسالته إلى الكونغرس، ونادى فيه بضرورة ضمان استقلال أميركا الشمالية والجنوبية وعدم تحويلها إلى مستعمرات أوروبية، مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وكان "مبدأ مونرو" الركيزة الأولى في دمج المصالح الأميركية مع نظيرتها الأوروبية، ليستفيد الجميع تجاريا واقتصاديا وثقافيا من خلال فلسفة العولمة التي فرضتها أميركا على أوروبا.
وجاء المبدأ الثاني على يد الرئيس الأمريكي "فرانكلين روزفلت"، في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، خلال كلمته في احتفالات النصر التي وجهها للشعب الأميركي. وكان "مبدأ روزفلت" يهدف إلى تطبيق سياسة دولية تستند على القوة العسكرية الأميركية، وتمارس دورها البوليسي لحفظ النظام الدولي، إذ وجد "روزفلت" أن مشاركة أميركا في الحرب العالمية الثانية ستؤدى إلى تحقيق الهيمنة الأميركية في النظام العالمي الجديد.
وبناء عليه استمر الرئيس اللاحق "هاري ترومان" في انتهاج سياسة سلفه، وأعلن عن مبدئه عام 1947 لإخضاع أوروبا تحت السيطرة الأميركية وتحصينها من المد الشيوعي السوفيتي. وكان "مبدأ ترومان" يعتمد على ربط السياسة الأوروبية بسياسة أميركا الخارجية، وتحجيم النشاط السوفيتي وحصر تحركاته داخل دائرته الجغرافية، وإنشاء حلف شمال الأطلسي كمقدمة لسياسة الأحلاف التي اعتمدتها الإدارة الأميركية.
وفي خطبته الشهيرة التي ألقاها أمام الكونغرس بتاريخ 5 يناير 1957، أعلن الرئيس الأميركي "دوايت أيزنهاور" عن تبنيه المبدأ الخامس، الذي يؤكد على تنامي المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وجاء "مبدأ أيزنهاور" ليؤكد على أهمية تقديم المساعدة الاقتصادية والمعونات الحربية لجميع دول المنطقة إذا ما تعرضت للتهديد من دولة أخرى.
هذا المبدأ خص بالذكر التهديد الشيوعي لدول المنطقة، ووقوف أميركا ضد أي عدوان مسلح صريح من أي دولة تسيطر عليها مبادئ الشيوعية.
وفي شهر يوليو 1969 أعلن الرئيس الأميركي "ريتشارد نيكسون" مبدأه الذي نص على قيام أميركا بتشجيع دول العالم الثالث على تحمل مسؤولياتها في الدفاع عن نفسها، على أن يقتصر دور أميركا على تقديم المشورة وتزويد تلك الدول بالخبرة والمساعدة. وفي يناير 1980 أعلن الرئيس "جيمي كارتر" الاستراتيجية الأميركية الجديدة لأمن الخليج العربي، وأطلق عليها "مبدأ كارتر"، وهو المبدأ المعتمد ليومنا هذا للحفاظ على أمن الخليج. وينص "مبدأ كارتر" على أن أميركا
ستعد أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج اعتداء على المصالح الحيوية لأميركا، وسيتم صد هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية. وجاء هذا المبدأ مباشرة بعد انتصار الثورة الإيرانية في فبراير 1979 والغزو السوفيتي لأفغانستان في ديسمبر 1979.
وأخيرا جاء "مبدأ أوباما" الذي أعلنه الرئيس الأميركي في خطابه بالقاهرة في يونيو 2009، وحدد خلاله مزايا سياسته الخارجية المشروطة بالتوازن بين القوى، وعد التوصل مع إيران إلى اتفاق نووي يعود إلى حرص أميركا الشديد على عقد توازن بين الفرقاء كخطوة لتجسيد المتغيرات.
لا شك أن الإدارة الأميركية تعلم جيدا أن استقرار دول الخليج العربي التي تمتلك أكثر من نصف احتياطي نفط العالم، وأكثر من ثلث احتياطياته من الغاز الطبيعي، يشكل استقرارا للاقتصاد العالمي. ولا شك أن الرئيس أوباما يعلم جيدا أن سياسته المشروطة بالتوازن كان لها أكبر الأثر في تدهور أوضاع العراق، وتفاقم مصير الثورات العربية في ليبيا وسورية واليمن، واستمرار المخاوف الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني.
من هذا المنطلق، كان واجبا علينا أخذ زمام المبادرة في عاصفة الحزم، لتلقين ملالي إيران درسا لن ينسوه، والقضاء على جبهاتهم العدائية، ووأد مشاريعهم الإرهابية. واليوم أصبح واجبا علينا حسن استغلال مصالح أميركا المؤقتة في منطقتنا الخليجية لتشجيعها على دعم قضايانا المصيرية، وبناء قواتنا الأمنية، وتحقيق أهدافنا الاستراتيجية، فنحن أيضا لا نحبذ الصداقات الدائمة مع أميركا.