اليوم أوجه خطابي لكل بناتي وأبنائي الخريجين، سواء من الثانوية أو من الجامعة، أولا ألف مبروك لكم ولأسركم الكريمة، أنتم الآن على مفترق الطريق، ولديكم مشاعر قد تكون متضاربة ما بين الفرح والقلق، لأن السؤال الرئيس هنا: ماذا بعد؟ الإجابة وبكل ثقة أقول: تغيير العالم! لقد فعلها قبلكم الكثير ولسوف يفعلها بعدكم الكثير، فلمَ لا تكونون من ضمن القائمة؟! لا تستغربون فالخطوة الأولى دائما ما تكون الأصعب؛ أن يؤمن الفرد بقدراته ويحدد أهدافه ثم يتحرك، هذه هي نقطة البداية.
ابنتي الخريجة، ابني الخريج، انظر إلى يديك وتخيل أن هذا العالم عند أطراف أصابعك، واعلم أنها فرصتك لتترك بصمة مضيئة في مسيرة حياتك وحياة من حولك، هل أنت قادر؟ نعم قادر إن قررت أن تكون فاعلا على مسرح الحياة وليس متفرجا، الفرص من حولك كبيرة والأحداث أكبر، تستطيع أن تختار، لا تقيد نفسك بحدود المكان أو الزمان، لا تفكر بآراء الغير عن ماهية النجاح أو الأمان الوظيفي، الإبداع هو كلمة السر، ولا يحدك سوى خيالك، الآن وفي هذه اللحظة بالذات هنالك شمعة مضيئة بداخلك لا تسمح لأحد بأن يطفئها، نعم هنالك عقبات، ونعم هنالك تحديات فمن قال إن الحياة رحلة ترفيهية، ولكن لن تعرف طعم النجاح إن لم تجرب الفشل، ثابر واصمد وامضِ في طريق أنت رسمته إلى أن تراه يتحقق.
أبنائي وبناتي ليكن أول شيء تتمسكون به هو إيمانكم بأن الله - سبحانه وتعالى - معكم، هو الذي خلق وهو الرازق وهو الأقرب إليكم من حبل الوريد، فالإيمان ليس كلمات نرددها، بل محرك لجميع قراراتنا وتحركاتنا، فإن غاب هذا اليقين قد نخرج عن الطريق السليم وننزلق في متاهات قد نخرج وقد لا نخرج منها، ثم هنالك الإيمان بالمحبة بالثقة بالعطاء بالتعاون بالإنسانية، كنوز كثيرة من المشاعر السامية التي لا تقدر بثمن، لا تحتمل التفاوض ولا تقبل ببديل عند كل ضمير حي.
هنالك من يعيش الحياة يوما بيوم ويتفاعل مع الأحداث حسب ظهور كل منها، لا تكن منهم، حدد أولياتك ثم ضع أهدافك وبعدها نفذ وتابع، لكن لا تنسى أن تعيش حياتك، فأنت أولا وأخيرا إنسان وليس آلة إنتاج، قس نجاحك بناء على نوعية الناتج والمجهود وليس الكمية، فالنجاح خطوات صغيرة تراكمية تأخذك إلى النجاح الأكبر، "فرق تسد"؛ أعد تقسيم أهدافك الكبيرة إلى مجموعة من الأهداف الصغيرة وبهذا تستمتع بلحظات النجاح، مما سيكوّن لديك الدافع لكي تنتقل إلى الذي بعده.
وتعلم كيف تعطي كما تعلمت كيف تأخذ، ففي العطاء نماء، إن العمل على إثراء حياتك وتطوير إمكاناتك المادية والارتقاء بمستواك الاجتماعي لا يعني أن تنسى دعم الآخرين؛ أفراد من الأسرة، أصدقاء، زملاء في العمل، المجتمع من حولك من خلال مؤسساته الخيرية أو التطوعية، إن الأمر ليس تجارة خاسرة، بل عملية ربح/ ربح، فكل ما تقدمه سيعود عليك بطريقة أو بأخرى، لا تتوقف وتنتظر الناتج واجعل هذا الطريق موازيا، بل ملاصقا لمسيرة متابعة تحقيق أهدافك، ليس المطلوب منك أن تكون اليد العليا أو اليد السفلى، بل اليد التي تمتد لتصافح وتدعم، لتكن تلك النسمة الطيبة التي تحدث الفرق الإيجابي في حياة الآخرين، لتكن تلك القوة التي تخرج الأفضل ما بداخلهم ليمتد تأثيرك إلى مساحات أبعد مما تتخيل.
لا تنظر إلى ما لدى الآخرين، ولا تقارن نفسك بأي أحد، كن واثقا بنفسك وتعلم كيف تستمتع بما لديك، لا تقضي جل وقتك بالتذمر بما لا تملك، وجل مجهودك بالسعي المسعور خلف كل ما تستطيع أن تجمعه من مال وأملاك ومراكز، فالسعادة ليست أن تمتلك أكثر، بل في تقدير ما لديك والاستمتاع به، كن طموحا نعم، تقدم نعم... لكن عش حياتك حتى لا تستيقظ يوما وتدرك أنك لم تعشها، الزمن لا يُسرق منك؛ أنت من يُفرط به وأنت من يعرف كيف يستغله إن أراد ذلك.
كن قائدا ولا تكن تابعا، خلق الله لك العقل لتفكر وتبحث وتحلل وتتخذ القرارات بنفسك، فلا تسلم حياتك لغيرك كي يرسمها أو يحدد لك المسار، فأولا وأخيرا أنت نتاج خيارات تتخذها، قد تفشل وقد تنجح، ولكنك بالتأكيد لن تكون خاسرا، فمن الفشل تتعلم وتكوّن الخبرات التي ستحميك من حالات مماثلة، وعليه فلتكن خيارتك نابعة من ذاتك، لقد خلقت حرا فلا تشتري قيودك بجهل أو تخاذل!
احترم ذاتك وأعطها حق قدرها، فإذا كنت لا تقدر ذاتك وتحترمها، كيف تتوقع من الآخرين أن يقدروا ويحترموا؟! ولكن بالوقت نفسه لا تسمح لأحد بأن يزرع الشك بداخلك نحو قدراتك أو إمكانية تحقيق أحلامك، اسعَ كي تكون متميزا لكن دون تكبر أو استعلاء، ولا تصغي للنقد السلبي، وحين تنظر للمرآة شاهد نفسك ولا تشاهد ما يراه الآخرون على أنه أنت!
ويوما ما ستسأل نفسك وقد وصلت منتصف العمر أو ربما قرب آخره: كيف أمضيت حياتي؟ لا تقسها بما أنجزت بل بكيف أنجزت؛ هل تنازلت؟ هل تعديت؟ هل ظلمت؟ هل شاركت؟ هل دعمت؟ هل سعدت وأسعدت؟ بالنهاية كل فرد منا خلق لسبب، هل تعرفت إليه؟ هل أدركت ماهيته؟ هل حققته؟ أم ما زلت لا تعرف لماذا أنت على هذه الأرض في هذا المكان وفي هذا الزمان؟! في حياتك تكمن الإجابة.
أبنائي وبناتي الخريجين والخريجات أرجو ألاّ أكون قد أطلت عليكم، كل ما أردته هو أن أنقل إليكم بعض النصائح مما قرأت ومما خبرت، لتكون لكم العون في مسيرة حياتكم العلمية والعملية، أتمنى لكم العمر المديد والمثمر، كما أتمنى لكم البصيرة التي سترشدكم إلى نور الله في كل خطوة من هذه الحياة، الله يحفظكم ويسدد خطاكم...اللهم آمين.