خلال الأسبوعين الماضيين حدث موقفان في مكانين مختلفين يجتمعان في أمور محددة كالدين واللغة والملامح العامة للمجتمع، وتوجد بينهما قواسم مشتركة لوضعها في سلة واحدة في هذا المقال سأذكرها لاحقا بعد استعراضهما:

المشهد الأول: زائرة ما لدولة الإمارات صادف أنها ممثلة عربية معروفة كانت برفقة صديقتها في أحد محال الملابس في أحد المراكز التجارية الشهيرة تتبضع كالآلاف من الزائرين لدولة الإمارات الشقيقة التي تعتبر وجهة أولى للسياحة في السنوات الأخيرة، خاصة لنا نحن السعوديين، التي نجد فيها متنفسا "سياحيا" لم نستطع تحقيقه محليا. هوجمت هذه الزائرة "الشهيرة" من قبل سيدة أخرى عرفت نفسها بأنها "مواطنة" في الفيديو الذي انتشر سريعا عبر كبسولة الأخبار السريعة  "تويتر" وأُنشئ له وسم خاص. تهجّمت "المواطنة" في ذلك الفيديو بفظاظة على السيدة الزائرة وصديقتها وتطاولت عليها بألفاظ غير لائقة وكانت تتعمد استفزازها وتحاول افتعال مشكلة معها، متحججة بأن ملابسها غير محتشمة. لم تمض أكثر من 24 ساعة إلا ويصدر بيان من القيادة العامة للبحث الجنائي في شرطة دبي صرحت فيه أن البحث جارٍ عن هذه "المواطنة" التي تعدّت على خصوصية تلك الفنانة، مؤكدة أنه تصرف لا يمت لشعب الإمارات بصلة ولا بنهج الدولة التي تحترم كل الجنسيات والأشخاص وتوفر لهم إقامة سعيدة خالية من المنغصات.

المشهد الثاني: حشد من المتسوقين في أحد المجمعات التجارية الكبيرة في المنطقة الشرقية يتجمهر لدقائق معدودة حول شاب وفتاة نشب بينهما خلاف واشتباك بالأيدي بدأه الشاب حينما تعمد ورفيقه مضايقة الفتاة بالمعاكسة ومحاولته "ترقيمها"، والترقيم تصرف همجي يقوم به بعض الأشخاص بطرق مختلفة، يمرر فيه رقم هاتفه لفتاة قد تتجاوب معه وقد تمتنع، فما كان من الفتاة إلا كسر هاتف الشاب النقال بإلقائه أرضا، ما دفعه للتهجم عليها ومحاولة ضربها لولا تدخل بعض الموجودين والحيلولة بينهما. وعبر كبسولة تويتر الإخبارية أيضا انتشر فيديو لهذا الاشتباك وأنشئ له وسم خاص أدلى فيه الآلاف بآرائهم  كالعادة.

وبعد 24 ساعة أعلنت شرطة المنطقة الشرقية أنه تم القبض على الشابين اللذين ظهرا في الفيديو لاتخاذ ما يلزم معهما.

لو حاولنا أن نُخرج القواسم المشتركة بين هذين المشهدين نجد أنهما حدثا في أماكن عامة، وأن هناك طرفا معتديا، وآخر معتدى عليه، وأن الطرف المعتدى عليه امرأة، وأن السلطات اتبعت إجراءات معينة تجاه الحادثتين تدين الطرف المعتدي، والأهم أن الشعب السعودي أدلى برأيه في القضيتين من خلال الوسيلة التي نقلت إليه الحادثتين، التي تُعد منصته التي يعبر فيها عن رأيه دون حدود وتردد، ويستعرض من خلالها قدراته التحليلية في كافة الشؤون، ويُصدر أحكامه الاستباقية لأي موضوع، ويطلب المساعدة في قضايا مصيرية، أو يجعله مسرحا للسخرية أو محرابا للنصح والدروشة.

ما يهمني من بين هذه القواسم هو رأي الشعب السعودي تجاه الموقفين لأنه يعطي صورة عن التفكير الجمعي ورؤية بانورامية للمواقف التي يرتجل الحكم عليها من خلال مشاركاته بشكل عفوي يعكس الترسبات الاجتماعية والدينية داخله، وبالتالي تؤثر في سلوكه وحكمه على الأشياء وتعامله مع الأشخاص. الأغلبية أيدت تصرف المواطنة في المشهد الأول لأنها مثلت في نظرهم الفضيلة والحشمة باعتراضها على ملابس تلك الفنانة، ووصفوها بالشجاعة والشخصية المسلمة التي لم تخف من إبداء رأيها المتفق مع تدينهم الافتراضي. في المقابل نجد السواد الأعظم ممن أدلى برأيه في قضية المشهد الثاني يصف الفتاة المعتدى عليها، التي حاولت الدفاع عن نفسها والاعتراض على محاولة "التحرش" العلنية التي تعرضت لها برميها هاتف الشاب النقال أرضا، بأنها تستحق ما حدث لها من اعتداء! لأنها تسببت فيه بخروجها للتسوق أولا، وكونها دون "محرم" ثانيا! ولأنها كاشفة وجهها ثالثا! ووصفت أيضا من البعض بنفس الصفات "غير اللائقة" التي استخدمتها "المواطنة" في المشهد الأول.

لو حاولت عزيزي القارئ وأنت تستعرض المشهدين بحياد أن تقبض على مفهوم "الفضيلة" أو تجد تعريفا مناسبا لمعنى "الحشمة" لاكتشفت أنه أمر صعب أن يكون مطلقا، بل يجب تقييده إلى المكان الذي يُفسر من خلاله. وهذا يتشابه كثيرا مع ملاحظتنا لمفارقات بسيطة يقع فيها "المواطن السعودي" فهو خارج بلده، يحترم الأنظمة المرورية، ولا يلقي المخلفات في الشارع، ويتخلى عن نزعة "الترقيم" التي تنهض داخله إذا شاهد سيدة في مكان عام، وغيرها الكثير، لنكتشف أن الكثير من قيمنا ومبادئنا ليست إلا رهينة "المحليّة" في التعامل معها، فتلك السيدة الفاضلة في المشهد الأول في الحكم الجمعي كانت فاضلة لأنها ترتدي حجابها ذلك في مكان آخر غير هذا المكان، ولأنها من جنسية تختلف عن جنسية بنات هذا الوطن، ولو عُكس المشهد وانتقلت بذات الحجاب إلى هنا، لجُردت سريعا من هذه الفضيلة!

هناك خلل ما يجعل من تعايش الفرد مع نفسه صعبا أكثر من محاولته التعايش مع الآخرين، هذا الخلل يقوده للتناقض وربما الفصام في مواقفه وآرائه التي لم يعد الكثير يخضعها لقناعته وإيمانه، بل لما تفرضه عليه "محلية" قادت لتفكير وأحكام جمعية مضحكة.