بعد حادثة التحكيم الشهيرة انفصل الخوارج عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكفروه، وصاروا يرددون: "لا حكم إلا لله"! لأنه قبل بتحكيم رجلين في ما يراه الخوارج حقًّا له؛ فكيف يقبل بتحكيم الرجال وهو أمير المؤمنين والخليفة الشرعي، ونصوص الكتاب والسنة تؤيده؟ تنبّه عليّ - رضي الله عنه - إلى كلامهم هذا وقال لهم بفطنته الوقادة، وحكمته البليغة: "كلمة حق أريد بها باطل؛ فإن القرآن لا ينطق ولكن ينطق به الرجال"، أي إن القرآن يُفهم ويطبّق من خلال الرجال، يجتهدون فيه فيصيبون ويخطئون، والقصة في محاورة ابن عباس لهم التي أقام عليهم بها الحجة شهيرة، تنبئ عن سوء فهمهم فيما ذهبوا إليه.
إن مشكلة الخوارج التي تفطّن لها عليٌّ أنهم رأوا أن (فهمهم) للنص البشري هو بالضبط (حكم الله)؛ ومن هنا فظاهر قولهم هو: "لا حكم إلا لله"، ولكن باطنه هو:"لا حكم إلا لفهومنا نحن"، وهكذا رفع الخوارج فهومهم البشرية إلى درجة قطعية النص الإلهي، وأنزلوا اجتهادهم البشري الذي يجوز منه الخطأ، منزلة الشرع الذي لا يمكن أن يخطئ، وبهذا السبب عدّوا علي بن أبي طالب ومن معه كفارا مرتدين يجب قتالهم، فضلوا بفهمهم هذا ضلالا مبينا، إذ جعلوا فهومهم عين الشرع، فمن خالفهم فقد خالف الشرع.
ذاك هو الأساس الفكري الأعوج الذي به ضلت الخوارج، وذاك هو الفهم الفاسد الذي أدّى بهم إلى هذا الغلو والتطرف الذي به قاتلوا خيار المؤمنين وأباحوا دماءهم، وأعراضهم، وذاك الأساس الفكري الضالّ تجدونه لدى كل من يتعصب لاجتهاد فيمارس العنف ضد مخالفيه لفظيا أو سلوكيا.
ولئن كانت درجات التطرف متفاوتة من العنف اللفظي تدرجا في العنف إلى إباحة الدم والقتل؛ إلا أن نوعه واحد، فالتطرف كله متحد النوع، وإن كان مختلف الدرجة.
قال ابن القيم - رحمه الله - في كتابه الشهير (إعلام الموقعين): "وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك"، فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله.
ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا اقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا؛ فينبغي هذا، ولا نرى هذا، ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: ولا يقولون: حلال ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59]. الحلال: ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله".
حكم المجتهد – إذن - ليس هو حكم الله، ودين الله ليس هو آراء الرجال الاجتهادية، ولهذا كان السلف - رحمهم الله - يتحاشون جدا أن يقولوا: حلال وحرام، ولكنهم كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا، وينبغي هذا، ولا نرى ذاك.
هكذا كان شأنهم في مسائل الاجتهاد، فلا ينزلون آراءهم منزلة القرآن والسنة الثابتة، وهذا من شدة تورعهم أن ينسبوا لله ما ليس بيقين، فيكونوا من القائلين على الله بلا علم، فينالهم الوعيد الشديد.
وقد وردت الآثار أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اجتهد في مسألة من مسائل المواريث فقضى فيها قضاء، ثم عرضت له المسألة ذاتها بعد مدّة، فقضى فيها قضاء آخر لأن اجتهاده اختلف، فسئل فقال: "تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي".
فالاجتهاد جائز عليه أن يتغير، والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، ومن هنا قال الأصوليون: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ويقولون كذلك: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فالاجتهاد في الوقائع المتشابهة قد يتغير من المجتهد الواحد، فكيف إذا تعدد المجتهدون والمفتون، واختلفت الأزمنة والأحوال والمآلات؟
ولقد اختلفوا في مسائل كثيرة لا يسعها كتاب – فضلا عن مقالة - وهناك مسائل خالف فيها من خالف من الصحابة، ينزل بعضُها منزلة الرأي الشاذ، هذا والحديث يُروَى، والصحابة متوافرون، والعهد من الوحي قريب، ولا داعي لضرب الأمثلة على ذلك؛ لأن المقصد من هذا كله أن الصحابة الكرام والسلف الصالح لم ير أحدهم الآخر فاسقا ولا عاصيا ولا كافرا من أجل مسألة من مسائل الفقه. وفي هذا يقول يحيى بن سعيد، رحمه الله: "ما برح المستفتون يُستفتَون؛ فيحل هذا ويحرّم هذا؛ فلا يرى المحرِّم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرِّم هلك لتحريمه".
لكننا مع الأسف نرى اليوم من يعتقد بهلاك مخالفه في مسائل اجتهادية؛ لأنه يظن أن اجتهاده هو عين الشرع، وأن الحق إنما ينطق على لسانه، ولو أنه تفطن لموارد الاستدلال والألفاظ والعلل واختلاف العلماء في التصحيح والتضعيف وغيرها من أسباب الخلاف؛ لعلم أنه متعجّل، ولعذر مخالفه فيما ذهب إليه.
ولولا أن مساحة المقال لا تتسع لأكثرت من إيراد النقول عن الصحابة والتابعين والأئمة الكبار.
من المشكلات التي نواجهها – ولا أظن أن هذا بحاجة إلى دليل لشدة وضوحه – أن كثيرين ينزلون – مع الأسف – اجتهادات من يثقون بهم من أهل العلم منزلة النص الشرعي، وعلى هذا الأساس يعنفون بمخالفيهم عنفا تنتهك به المحرّمات القطعية في كتاب الله وسنة رسوله، من عرض المسلم، وربما دمه، دع عنك قطع الأرحام، والشحناء والبغضاء، والغيبة، وسائر ما نهى الله عنه قطعا، من أجل مسائل يسوغ فيها الاجتهاد بلا أدنى شك. هذا أمر ظاهر لا أظنه أيها القارئ يخفى عليك.
وقع الخوارج في هذا الفخّ الفكري قديما، فأدى بهم الأمر إلى ما نعلمه جميعا، ولو تتبعنا الأسس الفكرية للعنف الذي نشهده الآن؛ لوجدنا أن إنزال الاجتهاد البشري منزلة النص الشرعي واحد من تلك الأسس، إن لم يكن هو رأسها.