يقال إن حكيما طلب من الهدهد الحضور على وجه السرعة هو وباقي الطير، فتأخر الهدهد، فسأله الحكيم عن سبب تأخره فأجاب: كنت أفكر. فقال له الحكيم سأقطع رأسك إلا إذا أجبت عن سؤالي فسأعفيك وأصفح عنك. وسأل الحكيم الهدهد: من الأكثر أدباء الجن أم أدباء الإنس؟ فأجاب الهدهد: أدباء الإنس. سأله الحكيم: ولمَ؟ فأجاب الهدهد: لأن من ليس أديبا؛ يسرق أدب الأديب، فأصبح جلهم أدباء! والذي جعلنا نستدعي هذا الحوار بين الحكيم والهدهد أننا أصبحنا نتجول في ردهات المكتوبات والمدونات والمؤلفات وشاشات السينما وقاعات المسارح، فنجد أغلبها ممهورة بأسماء مؤلفين يدعون أنهم من أبدع وفكر وأخرج من فوق أكتافهم شعاعا يخطف البصر، ثم يختالون في المحافل الدولية والمحلية بأنهم في الصفوف الأولى من المبدعين! لماذا يسرق المدعو بـ"الكاتب" وينسب لنفسه ما لم يكن له؟! شيء عجيب وغريب يرجع لعدة أسباب:

أولا: الغباء، وعقدة النقص، والمعرفة الضحلة، وفقر الإبداع والابتكار، وأيضا ضحالة الخيال.

ثانيا: غياب الناقد الفاحص المتمكن من كشف أستار الجريمة وهتك عرض الإبداع بمعيار نقدي فاحص ومتخصص. ثالثا: غياب قانون يحمي الإبداع والملكية الفكرية وغياب تطبيقه إن وجد.

رابعا: حب الظهور والانتماء إلى طبقة الصفوة من المبدعين. خامسا: قلة الدين والأمانة التي حمَّلها الله للقلم الذي أقسم به - جل وعلا - في كتابه الكريم. فالأمانة العلمية والأدبية شيء ثقيل، وكواهلهم ضعاف مثل عقولهم، فلا تحتمل ثقلها! ولم يستطع هؤلاء حملها في ضوء شهوة الظهور والارتقاء الزائف.

أفبعد كل هذا مجد يتعاطاه السارق؟! قال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّما أهْلَكَ الَّذينَ من قبلِكُم أنَّهم كانوا إذا سَرقَ فيهمُ الشَّريفُ ترَكوهُ، وإذا سرقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عليهِ الحدَّ. وأيمُ اللَّهِ لَو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سرَقَت لقطعتُ يدَها. صحيح الترمذي). فكيف بمن يسرقون رؤوس المبدعين وأملاكهم الفكرية والمعنوية والمادية أيضا، ثم لو طبق هذا القانون السماوي لرأينا نصف الكتاب في وطننا العربي يمشون بيد واحدة! وحينها لن يتعظوا؟ بل سيتباهوا بأنهم (زمعٌ) لأنهم مبدعون! فالكذب والمكابرة أصبحا جرثومة لا فكاك منها لدى كل أفّاق من هؤلاء! وحسبنا هنا قول طرفة بن العبد:

ولا أغير على الأشعار أسرقها  عنها غنيـت وشرّ النّاس من سرقا

وإن أحسـن بيت أنت قائـله    بيت يقـال إذا أنشدته صدقا 

لا شك أن غياب الناقد أسس لقيام هذه المشكلة التي لا تتفشى بكثرة إلا في وطننا العربي! فلماذا لا تفسح جرائدنا ومكتباتنا وكل الإعلام المسموع والمرئي مجالات للنقاد الذين هم نقاد بحق؟ ومتخصصون بحق، وليسوا (أرزقية) يقتاتون على أقلامهم، فالقلم شأنه شأن عظيم، وإلا لما أقسم الله به ووضع له سورة في كتابه الكريم. فالقلم أصبح سبيلا للارتزاق وللمجاملات، وللمحاباة وللمدح، وللذم أيضا إن اقتضى الحال وبدون هوادة أو حياء، فالحياء الذي هو شعبة من الإيمان تحول إلى تبجح واستعلاء!

أتعلمون لماذا لم نر أي عقاب قانوني عند العرب القدامى على السرقة الأدبية والمعنوية مثلما يحدث تجاه السرقة المادية والمحسوسة؟ ذلك لأن العرب نقاد يفضحون السارق، والعربي كان يخشى الفضيحة أشد من أي عقاب مادي، فالعقاب المعنوي أشد وأدهى عندهم. ولذلك نرى فضائح السرقات لديهم شعرا وأخذا وردا، أما الآن فالفضائح على قارعة الطريق! بالرغم من وجود قوانين ومحاكمات!

هناك قوانين نقدية وضعت كمعيار نقدي تضع الحد الفاصل بين (التأليف، الاستلهام، والاقتباس، والمعالجة، والإعداد). وهناك مصطلح يتداول بيننا ككتاب وهو غير قاموسي هو (قلب الجراب)، بحيث إنه ينتهك عرض العمل الأدبي بدون أن تبدو عليه آثار السرقة، فلا يعرفها إلا ناقد محترف ومثقف أيضا، فثقافة الناقد هي أداته الأولى إلى جانب معياره النقدي، فهي معايير وخطوط حمراء من يتعداها فقد انتهك عرض القلم وخان الأمانة ويوصم بين البشر بأنه سارق، وكان السارق عند العرب لا تقطع يده فحسب، وإنما يطرد من القبيلة، فينتزع أصله ونسبه وإذا لجأ إلى قبيلة أخرى، فلا يكون ذا مصاهرة ودم ولا يمتلك زرعا ولا يشارك في دية. أي بحسب زماننا هذا يصبح لاجئا، يحيا على هامش المجتمع ولا ينتسب له. أين قوانين العرب وأين الشيمة العربية التي تنتزع لمجرد هنة من الهنات كي يستقيم الأمر؟ ولذلك نبغ العرب في الشعر وظهر لنا عباقرة نختال بهم ونقتات على معينهم حتى الآن، لأن العربي يخشى أن يطاله قانون اللوم وهو أشد ما يخشاه. أتعرفون لماذا؟ لأن اتقاء السرقات الأدبية يفسح المجال لظهور النوابغ، فهل لدينا نوابغ أدبية الآن؟ نعم لدينا نوابغ، ولدينا مبدعون يفوقون زمانهم، إلا أن كثرة السرَّاق تغطي على هؤلاء، فيختلط (الحابل بالنابل) ولا نعرف من الأديب من المتزيّي بالأدب؛ فكلهم على مائدة الإبداع سواء!

هذا المقال لا يتسع لذكر السرقات لأن ذكرها يتوجب البراهين والأدلة والموضوعية والدقة، دقة قاضي الأدب بميزان أقسم على أمانته، ولهذا ننوه إلى جريمة الأخلاق والقلم التي ضاق بها مبدعونا الحقيقيون والمخلصون وهم يرون فلذات أكباد رؤوسهم تطير لرؤوس أخرى وبفعل فاعل مع سبق الإصرار والترصد!

قد تقل السرقات في الشعر في الزمن الراهن، إلا أن سرقات المسرح والسينما والبرامج والكتب، والمقالات استشرت، حتى أصبحت علامة مميزة! وهذا لا يدل على شيء سوى أنها دلالة على العقم الفكري والعياذ بالله.

إنها قضية شرف يا سادة؛ وقضية نسب، فأبناء العروبة لا يقبلون بهذا السفاح، فهل من هبَّة تطهر أدبنا وفنوننا من الإبداع غير الشرعي كونه ابن سفاح وغير شرعي؟!