النقاش حول مسألة الجن في هذا المقال، أو في غيره من المقالات التي تصبو لفهم حالة الجن وتحديد مهيتها؛ يجب ألا تنصب حول وجود الجن من عدمه، ما دامت مسألة الجن موجودة في محيطنا وتحتل مساحة لا بأس بها من مخيالنا الشعبي. حيث الخيال غير خاضع نفسه للعقلنة، وإنما خاضع فقط للفهم، وتجنب سلبياته إن وجدت. ورد ذكر الجن في القرآن الكريم، وهنالك سورة تحمل اسم الجن؛ أي أن الجن موجود، ولكن غير الموجود من الجن هو تحديد كيفيته وحالته والمهية التي يتمظهر فيها لنا ولغيرنا. وهذا يضعنا، وفي عصر العقل ونموه المتسارع، أمام معضلتين: إما إثبات وجود الجن من خلال تشكلاته للإنسان، وهذا صعب، كون المسألة خاضعة للمخيال غير المحدود الذي بدوره ينطلق خارج جاذبية العقل وملكوت العلم، وهما المحركان الرئيسيان للعصر الذي نعيشه وعليه يجب أن نتعايش معه. وإما أن يتم نفي وجود الجن شكلا ومضمونا، عن طريق العقل والعلم، وهذا صعب في حالتنا هذه، كون هذا يتعارض مع ما جاء في نصوصنا المقدسة.
إذاً، ما هو الحل بالنسبة لنا في فهم مسألة الجن والتعاطي معها من دون أن نخل لا بالإيمان ولا بالعقل؟ الحل، هو أن تسحب مسألة الجن، من المخيال ومن العقل في الوقت نفسه وجعلها ما بين بين؛ وهو الإيمان، من دون الدخول في تفاصيل تمظهرات وتموضعات الجن. أي بأن يحد جدا وصف الجن كمسألة هيئة وحالة وجود، ويركز فقط على الإيمان بوجودها كحالة هلامية، وتحويل فهمها إلى مسألة ربانية، مثلها مثل الروح: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي". ويترك ما يصيب الإنسان من أمراض جسدية ونفسية للطب العضوي؛ الذي أثبت نفسه عن طريق العلم والتجربة؛ بسبب تنامي العقل وازدهاره.
الجن، كما أي مخلوقات خرافية، تشاهدك ولا تشاهدها، تضرك دون أن تستطيع تفادي ضررها، ترعبك دون أن تتمكن من منعها من ذلك؛ شكلت معضلة للإنسان منذ عصوره الحجرية القديمة حتى الآن. الشعوب وبفضل تقدم الإنسان، وعليه تقادم الجن، استطاعت التخلص من الجن ورعبه؛ وشعوب أخرى ما زالت تتصارع معه، باحثة عن مصدات آمنة منه، مع الاحتفاظ به ككيان محمي ومحافظ عليه بهيئته المتوارثة داخل مخيالها الشعبي.
الخرافة - أية خرافة - لم ترغم العقل البشري على قبولها، والإيمان بها كحقيقة، لا يجوز التشكيك أو الطعن فيها؛ سوى عندما تتحول من وهم إلى صناعة رابحة، لها تجارها ومروجوها وحراسها، وبالطبع ضحاياها، وهم الغالبية. الخرافات مرتبطة ارتباطا عضويا ببعض؛ فسقوط أي خرافة هو إعلان بسقوط باقي الخرافات التي يروج لها كحقائق من أجل استمرارها، كصناعات رابحة ومزدهرة، تدر المليارات من أي عملة صعبة كانت.
ولذلك أصبحت حرب الإنسان مع المخلوقات الخرافية أصعب الحروب التي خاضها ويخوضها الإنسان، وذلك لانعدام الجبهات الواضحة والملموسة بينها وبينه، والتي يستطيع من خلالها خوض معاركه معها. الأمراض العضوية، لها جبهة أو جبهات واضحة وملموسة؛ وهي جسم الإنسان، وما يهاجمه من بكتيريا وجراثيم وغيرها من علل مسببة للأمراض أمكن مشاهدتها وحسها والتعرف عليها من خلال ما اخترعه الإنسان من أدوات رصد دقيقة لها، ومتابعتها والعمل على التخلص منها، من خلال التجارب المخبرية الدقيقة. أي أن هنالك جبهة واضحة وملموسة وهي جسد الإنسان، وما يهاجمه، من مسببات الأمراض المختلفة.
لقد طالعتنا هذا الأسبوع، صحفنا المحلية وحتى الخليجية ولا أستبعد وروده في الصحف العالمية، كنوع من الأخبار الفنتازية؛ بخبر تغيب جماعي لطالبات عن الدراسة في المدرسة الأولى للبنات في قرية الشلايل، بمنطقة المدينة المنورة بسبب وجود الجن المكثف في المدرسة، والذي أدى بدوره إلى حالات تشنج وإغماءات من أثر "المس" بين بعض الطالبات في المدرسة. ما أدى، كما تقول الأخبار، بمديرة المدرسة إلى إحضار راقٍ لمبنى المدرسة، للمساعدة في إخراج الجن منها؛ ولم يجد ذلك نفعا يذكر في إخراج الجن من المدرسة.
وعليه رفعت إدارة المدرسة خطابا لتعليم المدينة؛ تشرح لهم فيه الحالة الصعبة التي تعيشها الطالبات. وكذلك ناشد سكان القرية المسؤولين المعنيين بسرعة إيجاد حل للمشكلة التي تعيشها المدرسة. حيث أنشأوا وسما على تويتر، باسم "نريد حلا لمدرسة الشلايل"؛ وطالبوا المعنيين بسرعة تغيير مكان المدرسة قبل أن تتفاقم عليهم المشكلة. وعليه، كما أوردت مصادر الخبر، أن إدارة التعليم بالمدينة المنورة، وبشكل عاجل، شكلت فريقاً من الشؤون التعليمية للبنات للتحقيق في ادعاءات المدرسة حول معاناة طالباتها من الجن.
البحث والتحقيق، في مسألة وجود الجن في المدرسة من عدمه؛ لن يجدي نفعا يذكر في التأكد من ذلك؛ كما حدث مع الراقي، والمختص في هذه الشأن. والمعاناة التي تواجهها مدرسة البنات في قرية الشلايل؛ قد تتعمم على باقي مدارس البنات، في جميع أنحاء المملكة، حيث هنالك جني يختبئ داخل حقيبة كل طالبة مدرسية، وهو قابل للظهور المفاجئ منها في أي وقت، ومن دون أي سبب يذكر. كيفية الجن، حالة لا تشاهد بالعين المجردة، كما هي غير خاضعة للبحث العقلي المحض. وإنما تتشكل كيفية حالة الجن في الخيال لا غير، ومحاولة عقلنة الخيال وإثبات صحته؛ تأتي على حساب قدرة العقل على الفهم والتحليل وبالتالي الوصول لأجوبة عقلانية، لما يدور حول الإنسان، ليمكنه من التعامل معها، على حسب ما تمليه حقيقتها؛ وليس على حسب ما تفرضه عنوة أوهامها.
إذا أرادت فعلا وزارة التربية، وأد مشكلة وجود الجن في مدارس البنات؛ فعليها أن تعيد النظر في الجن كهيئة وتشكل في مناهجها، التي تحفظها للبنات وتجعل إيمانهن لا يكتمل إلا بالتصديق بوجود الجني المرعب الذي ينتظر أي لحظة للانقضاض عليهن. عندما كانت ابنتي تدرس في الصفوف الابتدائية الأولى؛ انتابتها حالة من "التبول" على نفسها عند باب دورة المياه المفتوح. ولما سألتها والدتها لماذا تفعل ذلك؟ قالت بأنها تنسى دعاء دخول دورة المياه، ولذلك تخاف أن يخرج عليها الجن والشياطين الذين يسكنون دورة المياه. ذهبت زوجتي لتتفاهم مع المعلمة فقالت لها المعلمة، لم آت بشيء من عندي، أنا فقط أدرسها ما هو موجود في المنهج.
إذاً، يا وزارة التعليم أوقفي الفريق الذي شكلته للبحث عن صحة وجود الجن من عدمه في مبنى مدرسة قرية الشلايل للبنات؛ لأن أعضاءه لن يكونوا أمهر من الراقي في ذلك، والذي وقف عاجزا عن إخراج الجن من مبنى المدرسة. حيث الجن الحقيقي موجود في مناهج الطالبات. وعليه أصدروا أمرا للفريق المشكل بأن يتحرك سريعا، للمناهج التي تدرس لبناتنا، ليخرجوا الجن منها، وهذا كفيل بإخراج الجن من كل مدارس بناتنا، ومن كل بيوتنا. وإلا فانتظروا بتهافت الجن أفرادا وزرافات على كل مدارس بناتنا.