تحدثنا في مقال سابق عن الأنا والسعادة الحقيقة، وعرفنا أننا كما نملك بيتاً أو سيارة، فإن كل واحد منا كذلك يملك (الأنا) التي فيه، وكما أنك لست بيتك ولا سيارتك، فكذلك أنت لست (الأنا) التي فيك، فـ(الأنا) هي الصورة الذهنية الوهمية التي رسمتها أنت لنفسك وظننت أنك هي، أشكالنا، ملكاتنا، ممتلكاتنا، شهاداتنا، أفكارنا، آراؤنا، حرفنا، مناصبنا، ومكانتنا الاجتماعية، ولكن كل هذا لست أنت.

كما علمنا أن من أشد المفاهيم الخاطئة التي بنت (الأنا) أساساتها عليها هي مفهوم الانفصال، أي أن (الأنا) كيان منفصل عن كل ما حوله من الناس، بل ومن مصدر أعلى، وعليها أن تعمل باستقلالية تامة، وأن هذا المفهوم الخاطئ يجلب على الأنا عندما تكون وحيداً، الوحشة والنزاع الداخلي، لأن الوحدة تجسد للـ(أنا) اعتقاد الانفصال، ولكن عندما يستيقظ الوعي في الإنسان فيعي خطأ هذا الاعتقاد ويؤمن أنه جزء من هذا الكون ومن قوة ومصدر أعلى أقرب إليه من حبل الوريد وعلى اتصال مع كل من حوله، فإن هذه الوحشة والنزاع الداخلي والخوف على الأنا يتبدد، والخوف من الوحدة يزول كذلك، وسيصبح تواصله مع كل من حوله من منطلق التقاء البهجة والسرور، وليس من منطلق إكمال نقص (الأنا) أو هرباً من خوف الوحدة.

اسأل نفسك: هل تخاف من الوحدة؟ هل تحس بعدم راحة وأنت وحيد؟ هل يمكنك أن تقضي الساعات الطوال وحيداً مع كتاب أو ورقة وقلم أو متأملاً في سكون وراحة وطمأنينة وسلام داخلي؟

في دراسة حديثة من قبل فريق عالمي بقيادة (Jordi Quoidbach) نُشرت في مجلة (Psychological Science) بينت أن الثروة تقدم لنا فرصة اقتناء أشياء كثيرة، ولكنها في نفس الوقت تضعف قدرتنا على الاستمتاع بهذه الأشياء.

وفي دراسة أخرى تم فيها قياس جودة الحياة اليومية، وجد أن الدخل المادي لعب دوراً ثانوياً جداً في الإحساس بالسعادة الداخلية ونشرت الدراسة في مجلة (Journal Science - June 2006).

عندما تشعر أن هويتك مهددة فإنها (الأنا) التي فيك هي المهددة، لأن ذاتك الحقيقية نفخة الرحمن التي فيك محصنة بأصالتها ونقائها وصفائها، وهي ليست في أي شيء من الصور والأشكال المتغيرة. وإدراكك لهذه الحقيقة في ذاتها تهديد للـ(أنا)، وبما أنك تعتقد أنك تلك (الأنا) فستشعر كأن كيانك ووجودك كله مهدد، وستسعى جاهداً للحفاظ على هويتك وحمايتها بأي ثمن، وهذا ما يجعلنا في كثير من الأحيان رافضين قبول أفكار جديدة وفي خوف دائم من أي تغيير، وهو ما يجعلنا كذلك نحتاج للدفاع عن أفكارنا وآرائنا وكل صورنا وأشكالنا الخارجية من أي انتقاد، لأننا نُعرِّف أنفسنا بها ونرى أنفسنا فيها ومن خلالها لتصبح هويتنا، وبذلك تجعلنا (الأنا) دائماً في حالة تأهب للدفاع وللهجوم، وفي الحقيقة ليس هناك من خطر إلا على (الأنا).

ابتسمت وأنا أتذكر كيف كنت في الماضي القريب أحس دوماً بالحاجة للدفاع عن أفكاري وآرائي بحماسة وقوة، وكم كان ذلك يرهقني ويتعبني ويتعسني. لم أكن أدرك آنذاك أنني كنت أدافع عن هويتي الزائفة، عن (الأنا) التي فيّ، وكم كنت في السابق دائماً في خوف من أي تغيير.

لقد أدركت كم كانت (الأنا) تضلني وتخدعني، (الأنا) لها أجندتها الخاصة بها التي تتعارض مع سعادتنا، كم منا من أمضى ويمضي حياته كلها ليحقق أهدافاً تعود للـ(أنا) وليس لذاتنا الحقيقية، (الأنا) تسعى وراء جلب الاهتمام وتحصيل القوة، وأما الروح فإنها تبحث عن الحب والسعادة، كم منا من يقدم الاهتمام والقوة على الحب والسعادة.

أدركت أن سبب تعاسة معظم أهل الأرض هو تصورهم الخاطئ أن السعادة تأتي من الخارج، تأتي من أشياء نفعلها، نقتنيها، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة وخطر عظيم، لأنك بذلك ستنتظر من العالم أن يحقق لك هذه السعادة، ولكن العالم لا يستطيع ذلك، وهذا سبب الإحباط الدائم والتعاسة التي يعيشها الناس.

فقط بالوعي والحضور يحصل فرح الكينونة وفرح الروح، السعادة مصدرها من داخل الإنسان لا من خارجه، عندها يصبح كل عمل نقوم به بحضور ووعي مصدراً للبهجة والسعادة.

فرح الكينونة وفرح الروح هو أن تسمو نفسك وتصبح نفساً مطمئنة بقربها من المصدر، من الروح التي فيك، وتصبح نفسك انعكاساً لنور هذه الروح فتشع في كل ذرة من ذرات جسدك فتحييها ويحيي الله بها حياتك نوراً لك ولمن حولك وفرحاً وسعادة حقيقية (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا).

أدركت الآن أن معركتنا الحقيقية هي معركة داخلية، وأن أعظم اكتشاف يمكن أن يكتشفه الإنسان هو العالم الأكبر، الذات الحقيقية التي نفخ الله فيها من روحه، وعندما ندرك ونعي من نحن حقاً، الذات الحقيقية البعيدة عن كل الصور والأشكال التي صنعتها (الأنا)، تصبح هويتنا أصيلة عميقة ومحصنة، وبذلك فإن أي تغيير في حياتنا ما هو إلا تغيير في الصور والأشكال، هو ليس تغييراً لحياتي بل هو تغيير لظروف حياتي، أما حياتي الحقيقية فتكمن هناك في العمق محصنة.

ولذلك تؤكد دراسات عديدة أن نسبة الاكتئاب والانتحار أعلى في الطبقة الثرية منها في الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، وإحدى هذه الدراسات نُشرت عام 2012 ومصدرها البنك الفيدرالي في مدينة سان فرانسيسكو، وإنني أجزم أن (الأنا) هي وراء كل انتحار ومصدر التعاسة والشقاء.

تذكرت مقولة ابن تيمية فرأيت فيها عمقاً لم أره من قبل عندما قال: (ماذا يصنع بي أعدائي؟ جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهما معي، سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة).

فعندما تطرد الأنا ويمتلئ وعاء الإنسان بروحه وذاته الحقيقية تكون السعادة الحقيقية.

إن السعادة الحقيقية في متناول كل إنسان بغض النظر عن الحال والزمان والمكان، ولكن معظم أهل الأرض قرروا أن يعيشوا في تعاسة، وأن يغيبوا الوعي الذي به لا بغيره يُكشف زيف وألاعيب وخدع (الأنا) في كل إنسان.