الإجماع الوطني والعالمي على إدانة الجريمة الإرهابية التي ارتكبت أثناء صلاة الجمعة الماضية (22 مايو) في مسجد الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ببلدة القُديح بمحافظة القطيف أظهر أن مدبري تلك الجريمة أقلية منبوذة في المملكة، تتلقّى تعليماتها من تنظيم مشبوه يعيش خارج التاريخ وخارج منظومة الأخلاق والقيم التي تؤمن بها الأغلبية الساحقة من مواطني هذا البلد. ويجب أن تدفعنا بشاعة هذه الجريمة إلى التعامل بحزم مع هذه العصابة ومؤيديها، داخليا وخارجيا، على نحو يمنع وقوع مثل هذه الجرائم مستقبلا.
كان لافتا للنظر قدرة الأجهزة الأمنية خلال وقت قصير على تحديد هوية منفذ المجزرة التي ذهب ضحيتها (21) شهيدا و(101) جريح. ففي يوم السبت أعلنت وزارة الداخلية هوية الانتحاري، وأشارت إلى أنه مواطن سعودي، من المطلوبين للجهات الأمنية بسبب انتمائه لخلية إرهابية تتلقى توجيهاتها من تنظيم داعش الإرهابي في الخارج. وأشارت إلى أنه تم الكشف عن هذه الخلية خلال شهر مايو الحالي، وأنه قُبض حتى تاريخه على ستة وعشرين من عناصرها وجميعهم سعوديو الجنسية.
بالإضافة إلى استهداف مسجد القُديح، استهدفت الخلية قوات الأمن. فوفقا لبيان وزارة الداخلية، ثبت تورط خمسة من عناصر هذه الخلية الإرهابية في ارتكاب جريمة إطلاق النار على إحدى دوريات أمن المنشآت أثناء قيامها بمهام الحراسة بمحيط موقع الخزن الاستراتيجي جنوب مدينة الرياض يوم الجمعة (8 مايو 2015)، التي نتج عنها استشهاد أحد جنود الدورية. وأفاد البيان أن الإرهابيين الخمسة أقروا بقتله والتمثيل بجثته بإشعال النار فيها. وضُبط معهم كمية كبيرة من الأسلحة، بما في ذلك الأسلحة المستخدمة في تنفيذ الجريمة، إضافة إلى مواد لصنع المتفجرات، وضُبطت معهم كذلك نشرات تشرح كيفية تحضير المتفجرات وأخرى تتضمن فتاوى للفكر الضال.
وأورد البيان أسماء أعضاء الخلية وأدوارهم، إذ تمثلت أدوار بقية الموقوفين من عناصر هذه الخلية في تبني فكر تنظيم داعش الإرهابي، والدعاية له وتجنيد الأتباع خاصة صغار السن، وجمع الأموال لتمويل عملياتهم، ورصد تحركات رجال الأمن وعدد من المواقع الحيوية، والتستر على المطلوبين أمنيا وتوفير المأوى لهم ومن ضمنهم منفذ العملية الانتحارية ببلدة القديح.
وكان لافتا للنظر أن من ضمن أعضاء الخلية الموقوفين مراهقين صغاراً، أحدهم من مواليد 3/10/1420هـ (10 يناير 2000)، وآخر من مواليد 22/5/1421هـ (22 أغسطس 2000)، وثالث من مواليد 1/9/1421هـ (27 نوفمبر 2000).
ومن هذه المعلومات نرى المزيج المتفجر الذي يستخدمه تنظيم داعش في سعيه لشق وحدة المجتمع السعودي وجرّه إلى فتنة طائفية: فتاوى من أئمة الضلال المنتمين للتنظيم، والإيقاع بصغار السن والأطفال والمراهقين واستغلال براءتهم وجهلهم، والقدرة على استخدام الإنترنت للتواصل وتدريب أتباعه على صناعة المتفجرات من مكونات محلية، وتهريب الأسلحة والمتفجرات التي يصعب تصنيعها محليا، وتدريب أتباعه عليها.
ولمواجهة هذا التنظيم الضال، يجب أن نتعامل مع كل مُكوِّن من مكونات هذا المزيج لتحييده والقضاء عليه، وأن يتم ذلك من خلال العمل وفق خمسة مسارات متوازية:
المسار الأول: تجريم الخطاب الطائفي من أي جهة كانت، بإصدار تشريع يضع العقوبات الرادعة لأي خطاب من شأنه شق الوحدة الوطنية، ويتعين القيام بذلك في أقرب الآجال بسبب ظروف الحرب والحاجة إلى حماية الجبهة الداخلية من التطرف والتعصب.
المسار الثاني: مراقبة وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ومقاضاة من يخالف القانون بعد إصداره.
المسار الثالث: استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام بشتى أنواعها، للوصول إلى الشباب لدحض الفتاوى الضالة والفكر الإرهابي، ونشر الثقافة الوطنية وتشجيع الشباب على المشاركة في أنشطتها.
المسار الرابع: توفير إمكانات أكبر لتكثيف العمل الأمني، لإيقاف عمليات التجنيد والتهريب والتدريب على الأسلحة والمتفجرات.
المسار الخامس: العمل الإقليمي والدولي. لم يصل العمل الإقليمي والدولي إلى المستوى الذي بلغه العمل على مستوى المملكة في متابعة ومراقبة أنشطة الجماعات الإرهابية. ونظرا إلى أن كثيرا من الدعم الذي يتلقاه أتباع التنظيم داخل المملكة يصل إليهم من الخارج، فإن من الضروري نقل المواجهة إلى خارج الحدود. وهو عمل يواجه بالطبع صعوبة بالغة لأن دول الجوار التي يترعرع فيها تنظيما داعش والقاعدة دول ضعيفة أو فاشلة، ولذلك يصعب التنسيق معها، وهو ما كان دافعا إلى تشكيل التحالف الدولي لمحاربة داعش.
وتعمل دول التحالف الدولي -ومن ضمنها المملكة العربية السعودية- على هزيمة التنظيم عسكريا في العراق وسورية، ولكن العمل العسكري لم يحقق نتائجه المرجوة حتى الآن. ومع الحاجة إلى استمرار العمل العسكري لإضعاف الآلة العسكرية للتنظيم، فإن هناك حاجة إلى أن تعمل دول التحالف على تبادل أفضل للمعلومات الاستخبارية، وبذل جهد أكبر لمنع تدفق المقاتلين، واعتراض تهريب الأسلحة والمتفجرات والأموال من وإلى مناطق الصراع.
وإلى أن يتم القضاء على التنظيم خارج المملكة، فإنه سيظل يمثل تهديدا داخليا، كما رأينا من الخلايا الكثيرة التي تم ضبطها في مناطق المملكة المختلفة، وعلى الرغم من الجهود الأمنية الهائلة داخل المملكة، تمكن أتباع التنظيم من ارتكاب عدد من الجرائم البشعة، كان آخرها وأشدها إيلاما قتل المصلين الآمنين في جامع القُديح يوم الجمعة الماضي. ولذلك فلا يمكن التعويل على التحالف الدولي أو العمل العسكري وحده لدحر التنظيم داخل حدودنا.