المتتبع لموضوع الإرهاب يجد أنه الهم الأول الذي يشغل العالم بحكوماته ومؤسساته ومجتمعاته وأفراده، لأنه ببساطة يهدد الجميع ويشغل الجميع ويحير الجميع، ولهذا فهو واحد من العوامل المشتركة القليلة التي يتفق بشأنها العالم على اختلاف مكوناته ومعتقداته وتوجهاته.
الإرهاب في هذا العصر، يضرب كل يوم بقعة من العالم، لأهداف مختلفة وبطرق متعددة وأسلحة متنوعة. أنشئت من أجل محاربته الهيئات وعقدت لمواجهته المؤتمرات، ورصدت للقضاء عليه الموازنات. لكن الإرهاب لا يزال نشطاً، يتلون ويتغير ويتبدل ويلبس لون البيئة التي يعيش فيها حتى يخفي نفسه ويحقق مآربه.
التقارير التي تنشر عن الإرهاب أوردت أعداداً كبيرة من الحوادث الإرهابية وعدد الضحايا وعدد المصابين والتلفيات في الممتلكات. كما حللت الأسباب التي تدعو إلى الإرهاب، ومنها التي تتعلق بحقوق الإنسان والمظالم الفئوية، وفساد الأنظمة، والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي نشأ في ظلها التطرف، وغير ذلك في دول عدة في العالم.
ومع ظهور كل تنظيم إرهابي تظهر أسباب جديدة، أدت إلى بروز بعض المنظمات التي تتستر خلف الدين مثل "داعش" التي اختطت لنفسها طريقاً مذهلاً في عالم الإرهاب لم يشهد له التاريخ مثيلا، وظهر ذلك جلياً في ممارسات القتل والحرق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة. الإسلام ذلك الدين الحنيف الذي أمر حتى بالرفق بالحيوان، وجعله سببا لدخول الجنة! والذي جعل قاتل "النفس" -أي نفس- كأنما قتل الناس جميعا! نعود لنقول إن تقارير الإرهاب لم تجد علاقة بين تدني مستوى الدخل والإرهاب. حيث وجد أن الدول الأقل دخلاً هي الأقل تأثراً بالإرهاب من الدول المتوسطة الدخل. في إشارة واضحة إلى أن الفقر ليس بالضرورة سبباً أساسياً في تفشي ظاهرة الإرهاب. وبينت التقارير أن العامة من الناس والممتلكات هي الأهداف المشتركة في العمليات الإرهابية. وتشكل الأهداف العسكرية 4% فقط من الهجمات الإرهابية. وبينت التقارير الدول الأكثر تعرضاً للإرهاب والدول الأقل تعرضاً له. ففي خلال عشر سنوات بينت التقارير أن الولايات المتحدة الأميركية والجزائر وكولومبيا من أفضل الدول تقدماً في التعامل مع الإرهاب. وأشارت إلى أن معظم الهجمات حدثت في الظروف السياسية الأكثر احتداماً وخلافاً. وأشارت إلى نقطة جوهرية وهي أن الإرهاب العالمي فقط بدأ بالازدياد بعد تصعيد وتيرة الحرب في العراق. بعد ذلك تُبع بزيادة إضافية من موجات إرهابية في أفغانستان وبعدها بـ18 شهرا في باكستان.
تقول التقارير إن الإرهاب اليوم يشكل أهم قضية في عالمنا. وإن تأثيره خلال السنوات الثلاث الماضية وجد هضبة لكنها ليست مرتفعة. وحللت التقارير ظواهر الإرهاب. ففي العقد الماضي، منذ أحداث سبتمبر ارتفع عدد ضحايا الإرهاب بنسبة 195%، وعدد الحوادث الإرهابية بنسبة 460%، وعدد الإصابات بنسبة 224%، وأظهرت نتائج التقارير، بغرابة، أن الدول السبع التي كانت أشد معاناة من الإرهاب منذ أحداث سبتمبر قد اختصت بـ4/3 (ثلاثة أرباع) الضحايا في تلك الفترة مع اختصاص العراق بالنصيب الأوفر من الضحايا.
في 2011 كان عدد الضحايا في المناطق الأشد معاناة من الإرهاب (الشرق الأوسط والهند وباكستان وروسيا) 7473 ضحية (أقل بـ25% من عام 2007).. وفي شمال القارة الأميركية، التي يُرى أنها تشكل هدفاً رئيسياً للإرهاب، يتضح أنها أقل الأماكن معاناة من الإرهاب، وتشكل أميركا الدولة الأولى تحسناً مبددة بذلك تأثيرات أحداث سبتمبر عليها. وتقول التقارير إن الدول التي عانت كثيراً من الإرهاب عانت أيضاً من التدخل العسكري الأجنبي، في إشارة واضحة إلى العراق وأفغانستان والتدخلات التي حدثت فيها، وهي معروفة للجميع.
يقدم التقرير أيضا آراء لصانعي السياسات في العالم بالقول إن نتائج التقارير لا بد أن تستخدم لغرضين: الأول تعقب الإرهاب، والثاني إيجاد الحلول للقضاء عليه. وتضيف أن المسؤولية للحماية منه حتمية، لكن لا بد من أخذ خطوات الحيطة والحذر من العواقب غير المرغوب فيها. وتقترح التقارير أيضاً على صانعي السياسات في العالم أن يقوموا بتحليل نتائج تقارير الإرهاب للمساعدة في إعادة تعريف الخطوات التي يتم أخذها لمحاربته، لأن الإرهاب يعيد تعريف نفسه ويتشكل ويتبدل بناء على الخطوات التي تتخذ ضده.
حفظ الله بلادنا وأمتنا وعالمنا من كل سوء، وأعاد كل غاو إلى جادة الحق والصواب.