قد يقول القارئ هذا ماض مضى، إلا أنني أتناوله لحتمية الجين العربي فينا، الذي هو المكون الرئيس للشخصية مهما طرأ عليها من طفح وتجديد. نحن قوم محبون، مسالمون، ونبعت من أرضنا الشجاعة والكرم وإجارة المستجير. فمن أين جاءتنا الطائفية والعنصرية، إنها والله دسيسة دست بيننا، ولعلها نظرية غوبلز وزير الدعاية الإعلامية لهتلر، التي تقول: "اكذب اكذب حتى تصدق نفسك"!

وقد استغل بعض المستشرقين وجود بعض الصراعات القبلية في حياة البدوي ثم وصمونا بالعصبية القبلية في حين أنني استنتجت -عبر بحث أكاديمي- فريَّة هذه السِّمة حتى صدقناها، ثم ظهر لنا ما أسموه بالطائفية دون النظر في الجذور وفي تكويننا السسيولوجي الذي ظهر في هذه الأفواج من كل أنحاء المملكة لعزاء أهل القطيف في مصابهم، ضمد الله جراحهم بفضله وكرمه. ولكن لا بد أن نفهم ويفهم الغرب أن هناك فرقا كبيرا بين حماية الأرض وبين ما أسموه بالعصبية أو الطائفية!

فإذا حدث في الماضي صراع بين القبائل فإنما لحمى الحمى والذود ويوازي ذلك عطاء وكرما للغريب قبل القريب، وهذا موثق. ولكن دعونا نسبح قليلا فيما استقرأناه في الفرق بين الطائفية أو العصبية وبين الذود وحمى الطبيعة والوطن وهذا هو ديدننا.

فهذه الأرض لم تكن مهملة لكل عابر سبيل، بل كانت تحكمها تلك الأعراف والتقاليد وسلطة بينهم غير مبرمة تتوارثها الأجيال، بوجدان وعقيدة قلما يوفران في ربوع أخرى في العالم أجمع. فيقول و(يتسجنر): "إن الرجال نظروا للصحراء على أنها أرض جرداء قاحلة، أو تحمل بحريَّةٍ كل ما تختاره، ولكن الحقيقة إن كل تلَّة وكل وادٍ فيها، له أو لها رجل يُعتَبر مختصا ومطَّلعا بها، ويمكنه أن يؤكد بسرعةٍ حق عشيرته وقبيلته فيها ضد أي اعتداء أو عدوان. وحتى الآبار أو الأشجار يوجد لها أسيادها، الذين يسمحون للناس أن يوقدوا من أشجارها ويشربون من آبارها بحرية، طالما تطلبت حاجتهم ذلك، ولكنهم في نفس الوقت -هؤلاء الأسياد- يدققون بشكلٍ مستمرٍ في كل واحد يحاول ملكيتها لحسابه، أو أن يستغلها، أو أن يحوِّل إنتاجها لصالحه، أو منفعته الخاصة من بين الآخرين. إذ إن الطبيعة والعناصر المتواجدة فيها هي للاستخدام الحر لكل شخص صديق معروف من أجل استخدامها في أغراضه الخاصة وليس أكثر، والنتائج المنطقية هي في تقلص هذه الرخصة ليقتصر امتيازها على رجال الصحراء، وقسوتهم وصلابتهم بالنسبة للغرباء غير المزودين بالتعريف أو الضمان، حيث الأمن المشترك يكمن في المسؤولية المشتركة".

هذا وقد فسر الباحثون هذا الذود على أنه نوع من العصبية ثم تطور للطائفية ونحن نصدق ونتبع ثم نعمل بما فيه وهنا الخطورة، فانتشر هذا المفهوم شديد البشاعة ثم تم البناء عليه. إن العرب لديهم خاصية الذود عن المكان وهنا يكمن الفرق، لأن خاصية الانتماء متجذرة فيهم؛ الانتماء للنسب ثم للمكان الذي قد يحوي بعض المستجيرين والوافدين فأصبحوا بمرور الوقت من لحمة المكان والقبيلة عن طريق المصاهرة والسرارة وما إلى ذلك، وبالتالي تكون الحمية على الأرض التي يعتبرها الفرد شرفه وعرضه، والذود عن حمى المكان وعن صلة الرحم، أصبح لديهم نوعا من الشرف، وعليه لم يكن تعصبا؛ فالتعصب هو التحوصل داخل خلية تنبذ الآخر من الغرباء، وهذا غير وارد وهو ما ذكره هؤلاء الرحالة المؤرخون، بالرغم من أنهم يعتنقون دينا مغايرا لدينهم. ولذلك فهناك فرق دقيق بين قوة الانتماء للمكان الذي ذابت فيه الشخصية، وبين نبذ كل غير ذي صلة بأفكارهم ومعتقداتهم وجنسهم. فهم لم يكونوا عدوانيين أو متعصبين ضد أي غريب أو أي عقيدة، كما أنهم قوم يركنون إلى المؤانسة والجماعة، ومن هنا ندرك الفرق بين الدفاع والكراهية، ونبذ الآخر الذي لا يحمل سماتهم الفكرية والعقائدية، وهذا الفرق الدقيق يكمن في عمق التفريق بين العصبة والعصبية، فالعصبة هي ترابط الجماعة على الخير والشر وعلى الحب والوئام أو على من انتهك قانونهم ودساتيرهم، أما العصبية فهي نبذ الآخر الذي لا ينتمي إليهم، وذلك غير وارد فيما استقرأناه. وقد وردت كلمة عصبة في القرآن الكريم في سورة يوسف (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون)، وقد تكون العصبية فردية كل يتعصب لرأيه ولأفكاره في أي مكان في العالم، بينما نجد أنه لا مكان للفردية بينهم؛ فيقول (ووتسينجر) في كتابه فوق الرمال العربية الذي دونه في مطلع القرن التاسع عشر: "إني دائم الحنين إلى الوحدة وذلك هو الشيء الوحيد الذي لا يشعر به البدوي طيلة حياته، فقد سألني الإنجليز كثيرا هل شعرت بالوحدة في الصحراء؟.. إنني لم أشعر يوما بالوحدة وأنا بين الأعراب لقد زرت مدنا عربية لا يعرفني فيها أحد، ودخلت أسواق العرب، وكنت إذا حييت بائعا دعاني إلى الجلوس معه وأرسل في طلب الشاي وانضم إلينا أناس كثيرون، يسألونني عن حال مقصدي ولا يكتفون بذلك، بل تُوجَه إليَّ الدعوات من مختلف الأفراد للغذاء والعشاء! ترى كيف يشعر مثل هذا العربي لو أنه زار إنجلترا لأول مرة؟ إني لأرثي له فسيجد فارقا بين عادات وعادات!". و حينما يقول ابن خلدون: "لا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبة وأهل نسب واضح، لأنه بذلك تشتد شوكتهم ويُخشى جانبهم، وتعظم رهبة العدو". فبطبيعة الحال وكما نرصده إلى أي مدى تبلغ سلطة المكان، نجد أن ذلك ما فرضه عليها، إذ إن وحشة الصحراء وشدة اتساعها، ووعورة أراضيها تترك في النفس شيئا من الترقب والحذر، وهذا شيء بديهي! ولذا تتكون المجموعات ليس بناء على عنصرية أو عصبية، وإنما للذياد عن حياضهم وعن شرفهم ضد أي اعتداء؛ ولذلك نجد ابن خلدون يرُّد ذلك إلى صد الأعداء وتخويفهم، فقال (تعظم من رهبة العدو)؛ فالمسألة هنا تتعلق بالدفاع وليست بالتقسيم النفسي بين مجموعات الأفراد والجماعات، فالعرب هم من يشتهرون بقرى الضيف الغريب الذي لا يعرفونه، ويأنسون بالأغراب والأجانب.

يقول (ويثسنجر): "إن عظمة أبناء الجزيرة العربية لم تأت إلا من تلك الوحدة وعدم التمييز وانتفاء العنصرية، ففتحوا البلاد وتوسع ملكهم لأنهم بطبيعة الحال أبناء ملوك.." لم يكد يمر قرن واحد على معركة اليرموك حتى امتد حكمهم من جبال "البيرينيه" وشواطئ الأطلسي، إلى الهند وحدود الصين، فأسسوا إمبراطورية تبلغ مساحتها أكثر من مساحة الدولة الرومانية. لقد خرجوا من الصحراء يجمع بين قلوبهم إيمان جديد. ولم يفعلوا ما فعل أتيلا، وجينكيز خان، اللذان خلفا وراءهما الخراب والدمار".

هذا هو ديدننا العربي، فمن أين أتى مصطلح الطائفية هذا؟ أرجو أن نتبين من أطلقه وننفيه من قواميسنا لأنه ليس منا وليس فينا.