كنت في حوار طويل مع الشيخ الصديق د. محمد السعيدي، حول تفجيرات "داعش" الجبانة في حسينيات إخوتنا في الوطن بالضفة الشرقية، وظللت أتساجل معه حول تحقيقهم لهدفهم عبر ردات الفعل التي أعقبت التفجيرين.
د. السعيدي يرى أن جماهير المثقفين ونخب العلماء والدعاة السنة كان موقفهم واضحا على اختلاف مشاربهم في إدانة ما فعله "داعش"، وهو التنظيم الذي أراد كسب أصوات بعض التيار الديني السلفي الذي ربما سيتعاطف مع خطابه الذي ملأه بالأدلة الشرعية في تجويز ذلك التفجير الجبان، بيد أن رموز المدرسة السلفية انتبهوا إلى المخطط الإجرامي لدى هذا التنظيم المتطرف، ومحاولته جرّ المجتمع لفتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس، فضلا على أن نصوص السلفية وأدبياتها الدينية تجرّم مثل هذا الفعل تجاه آمنين، وإخوة في الوطن.
في تصوري الخاص، أن التفجيرين –رغم بشاعتهما- جعلا قضية الوطن والمواطنة تعود مجددا للواجهة، وإن كانت طرحت في الحقب السابقة في مؤتمرات الحوار الوطني، أو تحقيقات إعلامية هنا وهناك، أو في منابر أندية أدبية، إلا أنها اليوم تطرح والدم يسيل هناك في الحسينيات، وثمة مكلومون وأمهات لشهداء كانوا آمنين في دور عبادتهم، يحاول البعض العميل أن يبتز بمأساتهم، ويجأر بعقيرته المتلونة في الفضائيات الأجنبية، شاكيا وباكيا جور الوطن عليهم، في وقت نحن في مسيس الحاجة لضبط النفس والهدوء، والاصطفاف خلف قيادتنا في هذه الحرب المعلنة علينا جميعا.
السؤال هنا: هل الوقت الآن مناسب لطرح قضية المواطنة هذه، ومناقشتها بشكل شفيف؟ وهل من المناسب طرح قانون "تجريم الطائفية" بما ينادي بعض الكتبة والمثقفين؟
كتبت مقالات عديدة طيلة سنوات فارطة، وتحدثت من على الفضائيات أنادي بذلك القانون الذي يجرّم الطائفية والعنصرية والتعصب، بيد أن طرح المسألة اليوم غير مناسب، ففي مثل هذا الوقت العصيب الذي يمر به الوطن، نحتاج أولا للتكاتف والاصطفاف خلف ولاة الأمر، حتى نتجاوز هذه الأزمة، ومن ثم بعدها نستطيع طرح كل الموضوعات التي أوصلتنا لهذا التأزم، ومناقشتها بكل هدوء وروية، بعيدا عن الانفعالات التي تصاحب مثل هذا الموضوع الشائك.
رغم تبرمي الشديد من أولئك المرتزقة في هذه المأساة، إلا أنني أسجل إعجابا كبيرا بثلة من مشايخ إخوتنا الشيعة، الذين وإن اختلفنا معهم في فترات سابقة، إلا أن صوتهم اليوم ووقفتهم تجعلنا نشكر هذه الوطنية منهم.
يتحسس البعض من علاقتي مع الشيخ حسن الصفار، وأنا رغم اختلافي الدائم معه في مسائل عدة، إلا أنني أسجل له شكري على ما قاله في خطبته يوم الجمعة الماضية، فقد انتبه تماما لأبعاد التفجير، وقال إن جوهر الصراعات القائمة في الأمة اليوم لا شأن لها بالدِّين "إنما هي صراعات سياسية مصلحية غرضها تعديل موازين القوى لدى مختلف التوجهات والجماعات" فلا داعي لإسباغ الصبغة المذهبية والطائفية التحريضية على كل خلاف سياسي مما يقود لتفجير الأحقاد والضغائن.
الشيخ الصفار حث على رفض الانسياق خلف التجييش الطائفي الذي يؤججه المتعصبون من كل طائفة، فيقدمون بذلك خدمة للعدو الأجنبي؛ الذي من مصلحته تأجيج الصراع بين السنة والشيعة. مضيفا أن الصراعات الطائفية التي تمزق الأمة الإسلامية في عصرنا الراهن تكشف عن شريحة واسعة من "مرضى القلوب.. الذين تفيض قلوبهم بمخزون من الكراهية والتعصب عند كل خلاف". وختم بتأكيده على الواعين من أبناء الأمة على التفكير في مصلحة الأمة والنأي عن الانزلاق خلف خطاب الجاهلين والمتشنجين وحصر الخلافات كما هي عليه ضمن إطارها السياسي الصرف.
الشيخ محمد السعيدي قال لي إن الغالبية العظمى من شيعة القطيف ولاؤهم للوطن، ولا يمثلهم ما تفعله قلة باسمهم، وعليهم اليوم واجب الصدع بآرائهم ووطنيتهم، وقال إن الدولة السعودية منذ تأسيسها لم تتعامل بسوء مسلك وبعنف مع الشيعة.
لكي نقف ضد "داعش" وإيران الصفوية من خلفها، وما يريدانه من نقل المعركة للداخل السعودي، وإحداث الفتنة الطائفية؛ نحتاج مثل هذه الأصوات العاقلة من الطرفين لأن تعلو اليوم، فمثل هذين الخطابين العاقلين المدركين لأبعاد المؤامرة من الواجب أن يسمعه المجتمع والعالم من بعده.
اتحادنا، وتقديم العقلاء من كلتا الطائفتين في منابر الإعلام، سيفوت على كارهي الوطن فرصة التأليب.