بعد عودته من جنوب أفريقيا إلى الهند في عام 1915، بدأ الزعيم الهندي "غاندي" مسيرته في مواجهة الاحتلال البريطاني، الذي أضرم فتيل الطائفية بين المسلمين والهندوس من خلال سياسة بريطانيا الشهيرة "فرّق تسُد". فكلما اتحد الشعب الهندي، لجأت بريطانيا إلى ذبح بقرة من الأبقار (المقدسة) لدى طائفة الهندوس ووضعها أمام بيوت المسلمين لإلصاق تهمة الذبح بهم، فتشتعل الحروب الطائفية في مختلف أنحاء الهند.
إلا أن حكمة "غاندي" ونظرته الثاقبة كشفتا ألاعيب السياسة البريطانية، فبعد توليه قيادة المؤتمر الوطني الهندي في عام 1921، لجأ "غاندي" إلى عقد سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع أئمة المسلمين ومشايخ الهندوس، وقاد حملات متتالية بمشاركة كافة الطوائف الهندية، وكشف لهم سياسة بريطانيا وأهدافها الرامية للنيل من النسيج الاجتماعي وهدم الوئام الوطني. وبعد 10 أعوام من الكفاح، انتصر "غاندي" على فتنة الطائفية ونجح في تغليب اللحمة الوطنية على المذهبية العقائدية.
سياسة "فرّق تسُد" البريطانية اتبعتها إيران في عالمنا العربي، فبعد تورطها في الشأن العراقي عاثت إيران فسادا في نسيجه الوطني، وأضرمت فتيل الطائفية بين فئات مجتمعه، فأصبح الإرهابي يقوم بدور البقرة (المقدسة)، التي خلفت بسبب انتحارها 170 ألف قتيل عراقي. وكادت هذه السياسة تنطلي على النسيج الوطني المصري أثناء حكم الإخوان المسلمين كما انطلت على النسيج الوطني اللبناني والسوري واليمني بسبب تدخل إيران، وكما انطلت أيضا على النسيج الفلسطيني بسبب تدخل إسرائيل، لتفرق بين السلطة وحماس وفصائل المقاومة، ولتعيث في الأرض والمجتمع قتلا ودمارا.
اليوم تدخل إيران مع إسرائيل مضمار المؤامرات المكشوفة، لتثبت مرة أخرى أنها وراء الإرهاب في المنطقة العربية، بعد قيام أحزابها ومرتزقتها وفلول عصاباتها بذبح الأبقار (المقدسة) في العراق ولبنان وسورية واليمن. حتى في مقولات القتل وإضرام فتيل الطائفية وتفكيك اللحمة الوطنية تتطابق سياسات إيران مع إسرائيل، فالمثل الإيراني الشهير: "لا تقتل الأفعى بيدك بل اقتلها بيد عدوك" يتطابق مع مقولة وزير الدفاع الإسرائيلي "موشي يعالون" الذي قال: "ليس من المتعة أو السياسة أن تقتل عدوك بيدك، فعندما يقتل عدوك نفسه بيده أو بيد أخيه فإن المتعة أكبر، وسياستنا الجديدة تهدف إلى تشكيل ميليشيات للعدو، ليكون القاتل والمقتول من الأعداء".
واليوم تحاول إيران استخدام مقولة إسرائيل، التي تتطابق مع مقولتها، لإشعال فتيل الطائفية المقيتة بين شعوب الوطن العربي، فجيشت الأبقار (المقدسة) من العصابات والميليشيات الطائفية في العراق ولبنان واليمن، وأطلقت 32 فضائية من فضائحيات الفتنة بميزانية فاقت 3 مليارات دولار، لتكون البوق الرسمي بأكثر من 12 لغة لملالي الفتنة وأدوات غسل الأدمغة في الوطن العربي. وكان على رأس هذه الفضائحيات "قناة اللؤلؤة" الموجهة ضد البحرين و"قناة المسيرة" الموجهة ضد اليمن و"قناة نبأ" الموجهة ضد المملكة، التي اعتمدت على النهج التضليلي الهجومي والتحريضي لإثارة الفتنة واستهداف الطائفية.
تاريخ إيران مليء بسجل حافل من المؤامرات ضد المملكة التي تمارسها بواسطة عملائها ووكلائها من مجموعة الأبقار (المقدسة). وقد سبق أن قامت إيران بتهريب المتفجرات إلى المملكة، وأعلن حزبها الشيطاني في مارس 1988 مسؤوليته عن الانفجار الذي وقع في مصنع "صدف" للبتروكيماويات في منطقة الجبيل ومصفاة رأس تنورة، وتم إلقاء القبض على ثلاثة من عملاء طهران بعد مواجهة دامية، قتل فيها العديد من رجال الشرطة وأصيب آخرون بجروح في سبتمبر 1988. كما قامت إيران بسلسلة من الاغتيالات، التي بدأتها باغتيال السكرتير الثاني في السفارة السعودية بأنقرة في 25 أكتوبر 1988، ثم محاولة اغتيال السكرتير الثاني في البعثة السعودية في كراتشي، الذي أصيب بجروح خطيرة في أواخر ديسمبر 1988، واغتيال السكرتير الثالث في السفارة السعودية في بانكوك بتاريخ 4 يناير 1989، ومحاولة طهران الفاشلة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن بتاريخ أكتوبر 2011.
وأخيرا قبل صلاة يوم الجمعة 9 مايو 2015، وبالتعاون مع السلطات البحرينية، أحبطت السعودية على طريق جسر الملك فهد عملية تهريب 30.87 كيلوغراما من متفجرات مادة "آر دي إكس" شديدة الانفجار بواسطة 5 عملاء لملالي طهران. وكان بحوزتهم أيضاً 50 كبسولة تفجير وفتيل تفجير طوله ستة أمتار، تم إخفاؤها في المقعد الخلفي للسيارة، إضافة إلى ضبط عدد من الهواتف النقالة والكمبيوترات المحمولة وأجهزة التخزين الرقمي والكاميرات، وكذلك شرائح اتصالات إيرانية وأوراق نقدية سعودية وأردنية وإيرانية.
هذه المتفجرات المضبوطة هي نفس أنواع المواد التي أحبطت الأجهزة الأمنية البحرينية محاولة تهريبها إلى مملكة البحرين في 28 ديسمبر 2013 عبر البحر، وكذلك عن طريق جسر الملك فهد بتاريخ 15 مارس 2015، كما أنها نفس نوع المتفجرات المستخدمة في العمليتين الإرهابيتين بمسجدي القديح والعنود في مدينتي القطيف والدمام بالمنطقة الشرقية.
لعل ملالي طهران وأبقارهم (المقدسة) في العراق وسورية واليمن ولبنان يقتنعون بأن مؤمراتهم المفضوحة انكشفت أمام كافة شعوب المعمورة، ومنحتنا الفرصة الثمينة لكسر شوكتهم وتشتيت أهدافهم ونزع فتيل الطائفية المقيتة في الدمام وخارجها. ولعلهم يعلمون أيضا أن تسمية "دمام" في اللغة العربية جاءت لتعني "أطبَقَ عليه"، لقوله تعالى في الآية الكريمة 14 من سورة الشمس: "فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا". فهل يقتنع ملالي إيران بأن أبقارهم (المقدسة) من الإرهابيين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من إِطباق مواطني الدمام عليهم؟