يكاد لا يخلو تصريح أو مقال أو تغريدة أو مداخلة، حول تفجيرات المنطقة الشرقية، من التأكيد على "اللحمة الوطنية" و"الوحدة الوطنية"، واتفق السعوديون، رسميا وشعبيا، أن التفجيرات هدفها تمزيق "اللحمة" وتفتيت "الوحدة".
إنها فرصتنا المثالية لنا لنسأل أنفسنا: كيف قفزت إلى أذهاننا ثلاثة ألفاظ "اللحمة/ الوحدة/ الوطن" تشاركناها جميعا، وكيف احتلت، دون غيرها، تفكيرنا وخوفنا، لما ذا لم نؤكد مثلا على "الوحدة الدينية" أو نخاف مثلا على "الأمة الإسلامية"؟ أو حتى على الإسلام نفسه؟.
الحقيقة أن التفجيرات بزمانها ومكانها لم تترك لنا أي خيارات لغوية غير مفردات "الوطن"، فأي مفردات أخرى لن تكون صادقة، حتى لو كابرنا وبحثنا عن مفردات أخرى فلن نجد.
إن حالة الخوف التي أثارتها فينا التفجيرات ألجأتنا إلى أقرب مفردة صادقة، بما فينا أولئك الذين لا تدور هذه المفردات، عادة، على ألسنتهم، أولئك الذين يفضلون الحديث عن "الأمة الإسلامية" بدلا عن "الشعب السعودي"، ويجدون "بلاد الحرمين" أسهل على ألسنتهم من "المملكة العربية السعودية".
هذا لا يعود إلى حجم انتمائنا الوطني، وإنما إلى التكوين الثقافي الذي تلقيناه ونتلقاه جميعا عبر التعليم والخطب والوعظ، التكوين الذي يضع الدين والوطن في سلم ترتيب واحد ويقدم الدين على الوطن، وأن الجامع بيننا هو "الإسلام والأمة الإسلامية" وأسهب هذا التكوين في تعليمنا انتماءنا الأممي والأخروي ولم يقدم تعريفا واحدا لـ"اللحمة/ الوحدة الوطنية" وأنها أولوية، لأنها الجامع الحقيقي بيننا بكل تنوعنا وطوائفنا.
الدين لا يمكن وضعه في ترتيب مع أي شيء آخر، وكذلك الوطن. إن وضعهما معا في ترتيب واحد هو شركٌ بالوطن وشركٌ بالدين.
هذا التكوين الثقافي يتهاوى عند أول اختبار؛ لقد فضحته تفجيرات المنطقة الشرقية، فتخلينا عنه في لحظة صدق، وعرفنا أن ما نخاف عليه هو الوطن، وأن ما يضمن استقرارنا واستقرار أجيالنا هو الوحدة الوطنية. الدين أولوية وكذلك الوطن. دينك مسؤوليتك، والوطن مسؤوليتنا جميعا.
وليت إدراكنا لـ"الوطن" لا يرتبط بلحظات الخوف فقط. وتلك مهمتنا جميعا، رسميا وشعبيا.