تعد سياسة الدمج والاستيعاب إحدى السبل لإدارة الاختلاف والنزاعات الإثنية، فهي تسهم في إذابة الخلافات بالتركيز على القواسم المشتركة وإعطائها قيمة تفوق الاختلافات، والجوهر في هذه الفكرة يبنى على تحقيق التعايش السلمي، وحفظ جميع الحقوق والمشاركة في المسؤولية والبناء التنموي، وهنا نجد أن المجتمع يتحد في مواقفه التي تحقق مصالحه المشتركة، وينتقل إلى حالة محورية متطلعة إلى التقدم بظهور فئات اجتماعية مندمجة وبنّاءة، وهذه الطريقة تعد لبنة أساسية لخلق هوية وطنية مشتركة للمجتمع وحكومته.
سياسة الاستيعاب تقع تحت مسؤولية القوى والجماعات التي يتشكل منها الأكثرية، إذ يفترض أن تقوم الأكثرية بتبني الأقليات والجماعات الضعيفة في محاولة استيعابها من خلال تنازل الجماعات الأقوى عن جزء من هويتها الأصلية التي تعد في أصل الصراع أساس الاختلاف، ويأتي في سياق ذلك ذكر بعض الأنماط لسياسة الاستيعاب، كالاستيعاب الثقافي الذي يقصد به تذويب الثقافات المتمايزة في إطار ثقافي خاص وجديد، يعزو إلى خفض حجم الاختلافات بين الكيانات العرقية، كذلك الاستيعاب المادي الذي يعتمد على صهر الهويات العرقية بداخل هوية قائمة بالفعل، أو من خلال بناء هوية جديدة، ويرى الباحثون في هذا المجال أن نجاح هذا النمط يكون بالتزاوج بين الجماعات العرقية ومن ثم تآكل الحدود القائمة بينها وبالتالي زوالها واندثارها، وهناك أيضا الاستيعاب المؤسسي من خلال إنشاء مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية، يشارك فيها كل أفراد المجتمع على أسس غير عرقية.
هناك طرق شتى لاستيعاب الأقليات ودمجها في إطار الهوية العامة للمجتمع، وأهمها السماح بالتعددية من خلال حماية الاختلافات الثقافية والدينية وحق التعليم ومراعاة المناهج التعليمية، بحيث لا يفرض منهج تعليمي لا يتفق عقديا لدى الأقليات، كذلك تمكين التأصيل الاقتصادي والاجتماعي للأقلية، وحق التمثيل في الوظائف الخاصة والعامة، وغير ذلك من الطرق.
يتضح مما ذُكر أن سياسة الدمج والاستيعاب تشمل جميع الميادين الثقافية والسياسية والدينية، وهذا يحقق التكافل والتكامل والاجتماعي وبالتالي الاستقرار والأمن في المجتمع، ولا شك أن هذه العمليات في حاجة إلى تطبيع مبدئي للمجتمع تجنبا لحدوث ردات الفعل وما يتعلق برفض البعض، ما يجعل عملية التسوية صعبة، فيجب البحث عن سياسات خلاقة تعمل على سد الفجوة، ومن ثم التحكم في النزاعات وخلق أجواء ملائمة ينشأ منها الائتلاف الوطني.
إن التعدد بين الهويات في أصله لا يعبر عن مشكلة، إنما هو أمر طبيعي يمكن أن يتيح فرصا لإثراء المجتمع، ولكن التحدي الحقيقي في تحويل التعدد من تنازع إلى تناغم.