عادت مدينة عرسال مرة أخرى إلى الواجهة مع اشتعال جبهة القلمون بين حزب الله والنظام السوري من جهة والتنظيمات المسلحة المعارضة وداعش من جهة أخرى، حيث يرغب حزب الله في إبعاد المقاتلين عن الجرود اللبنانية ومخيمات اللجوء السوري في المدينة، عن طريق محاصرتهم ومهاجمتهم من الجهة الشرقية والشرقية، مع محاولة إقناع الجيش اللبناني بدخول المعركة.
"الوطن" زارت مخيمات اللاجئين السوريين المكتظة بالنساء والأطفال، في ظل غياب ملفت للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين (17- 40) عاما. وعندما سألنا عن الأمر جاءت الإجابة من نسوة المخيمات: "في سجون بشار" أو "جرحى" أو "قتلى".
تحلق حولنا اللاجئون قائلون: "يجب أن تلتقي بشبابنا الذين تعرضوا للضرب على يد حزب الله". وهنا قادنا دليلنا داخل المخيم إليهم. الجميع يتحدث بصخب، ويكشف عن مكان إصابته، رافضا الكشف عن هويته أو حتى وجهه، خوفا من التعرض لاعتداء جديد كما يقولون، باستثناء شاب سوري من بلدة القصير يدعى يحيى الواو، الذي حدثنا عنه سكان المخيم قبل أن نراه، لأنه كما قالوا أكثر من تضرر جسديا بعد ضرب عناصر مدنية من حزب الله للاجئين السوريين.
توثيق الجريمة
وصلنا إلى خيمة متواضعة للغاية في مخيم البنيان. يبلغ يحيى الواو 17 عاما. كان في صف الثانوية العامة قبيل هروبه وأسرته من القصير عند اندلاع الحرب فيها. طلب منا سكان المخيم التقاط صور لهذه الشاب من أجل توثيق جرائم حزب الله بحق اللاجئين السوريين. استقبلتنا والدته وشقيقته بالدموع، حينما عرفا أننا فريق صحفي. قالت والدته بصوت تخنقه العبرات "انظروا كيف ضربوا ابني.. كادوا أن يقتلوه"، مشيرة إلى ابنها الجالس على الأرض غير قادر على الحركة، فيما تحاول الكدمات الظاهرة على وجهه أن تختفي مع مرور الوقت. سألناه عما حدث، فأجاب "قبض علينا الجيش اللبناني أثناء دهمه مخيماتنا في عرسال، وتم اقتيادنا إلى فرع المخابرات من أجل التحقيق معنا. وأطلق سراحنا بعد 21 يوما من الاحتجاز، حيث تم تحويلنا إلى الأمن العام اللبناني، الذي أعطانا بطاقات خضراء لإثبات شخصياتنا على الحواجز الأمنية اللبنانية، كخطوة أولى لتصحيح أوضاعنا في لبنان، كوننا قدمنا بطريقة غير شرعية. انطلقنا بعد إطلاق سراحنا إلى بعلبك. ركبت مع 15 شابا آخرين سيارة أجرة، إلا أن مسلحين أوقفوا السيارة واقتادونا إلى مستودع ملاصق لأحد المقابر، حيث وجدنا في انتظارنا عددا من الشباب، الذين انهالوا علينا ضربا، فاستطعنا الهرب منهم والعودة إلى الطريق العام. وهنا أمسك بنا عناصر ادعت أنها من حزب الله. سألوني عن اسمي وبلدتي. قلت لهم: أنا من القصير، فانهالوا عليّ ضربا بطريقة وحشية. ضربوني في وجهي وأسناني وعيني. لكم أحدهم وجهي بقدمه، حتى تدخل كبار المنطقة، وسلمونا إلى مخابرات الجيش".
ضرب متواصل
ومضى الواو في شرح مأساته قائلاً "بعد خروجنا من الأمن العام تكرر نفس المشهد في طريق العودة من جديد. سجلوا بالفيديو مقطع ضربي ثم نشروه على اليوتيوب لإذلالي. كان يصرخون فينا "يا دواعش". طلبوا منا أن نخفض رؤوسنا أو سوف يقتلونا. كما أرغمونا على ترديد كلام مؤيد لنظام بشار الأسد أمام عدسات كاميرا هواتفهم المحمولة، ثم نشروا مقاطع الفيديو تلك على اليوتيوب. وبعد أن انهالوا علينا ضربا ودهسا من جديد، ألقوا بنا على الطريق. في الآخر أخذ منا عناصر حزب الله البطاقات الخضراء التي أعطانا إياها الأمن العام اللبناني، ثم أعادونا إلى حاجز مخابرات الجيش في عرسال".
رغم انقضاء شهر ونصف على هذه الحادثة، ما زال يحيى يعاني من تخلخل أسنانه، ويجد صعوبة في التنفس، بسبب الضربات التي تلقاها على قفصه الصدري. ويتابع يحيى قائلا: "بعض اللبنانيين يخافون من اللاجئين السوريين. يعتقد الكثير منهم أننا إرهابيون، وهذا غير صحيح، بل نحن مواطنون سوريون أبرياء تواطأ داعش ونظام بشار على هدم بيوتنا وقتل إخوتنا".
احفروا قبوركم
وللأمهات في مخيم النازحين السوريين حصة في رواية حوادث الاعتداء. قالت إحداهن "نحن من ريف حمص. كسرت يد ابني على يد عناصر من حزب الله أو مؤيدة له أثناء عودته من سجن التوقيف لدى الجيش اللبناني. أخذوا ابني ومجموعته التي أطلق سراحها إلى غرفة نائية ملطخة بالدماء قرب أحد المقابر. قالوا لهم: احفروا قبوركم بأيديكم، وبعد أن انتهوا من ذلك انهالوا عليهم ضربا. كادوا أن يقتلوا ابني، لأن رقبته تأذت بشدة، فعاد إلى المخيم مضرجا بدمائه". وتؤكد الأم أن كل مجموعة من اللاجئين السوريين الذين تم القبض عليهم من قبل الجيش اللبناني عادوا إلى المخيم مشوهين بعد الاعتداء عليهم. وتابعت بالقول "لو كنا إرهابيين ما جئنا إلى لبنان. لقد طردنا ظلم بشار فهربنا بأرواحنا إلى لبنان حتى لا نتعرض إلى ظلم جديد".
والدة أخرى تحدثت عن اعتقال ولديها. قالت إن الأول لا يزال حبيس أحد سجون النظام السوري منذ ثلاث سنوات، بعد أن اعتقله شبيحة الأسد، فيما اعتقل ابنها الثاني في عرسال، بعد دهم الجيش المخيمات السورية. تروي حكايته قائلة "تعرض ابني للضرب أثناء عودته من زحلة، ثم أخذوا منه بطاقة الإقامة الموقتة التي أعطاها له الأمن العام قبل تصحيح أوضاعه، بعد انتهاء "حفلة الضرب وسرقة كل ما في جيوبهم".
سرقة الهواتف
بعد ذلك التقينا شابا من ريف حمص، رفض الكشف عن هويته، وأكد أن من اعتدى عليهم من حزب الله بقوله: "كشفوا عن هويتهم عن طريق كلامهم، واستخدامهم ألفاظا مثل "يا جعفر"، و"يا زينب". ضربونا أثناء عودتنا ليلا من الأمن العام اللبناني في مدينة زحلة. أوقف شباب يرتدون ملابس مدنية سيارتنا في مدينة بعلبك عند الساعة الثامنة مساء. سألونا: من أين جئتم؟ قلنا لهم بأننا خرجنا من التوقيف في الأمن العام فانهالوا علينا ضربا. طلبوا منا تسليمهم أجهزة هواتفنا النقالة من أجل تفتيشها، فقلنا لهم بأننا نعيش في المخيم، ولا نملك أو نستعمل جوالات".
قصص كثيرة، مليئة بالحزن والدموع، سمعناها من أولئك المظلومين، وقد لا يحتمل القارئ الكريم بشاعة تفاصيلها، أو قسوة صورها.