(قالت:
سأسأل عنك أحياء المدينة في خرائبها القديمة
شرفاتها الثكلى أغانيها العقيمة
وأقول كان العمر أقصر من أمانيه العظيمة
لا تنس أنك في فؤادي حيث كنت
وحيث يحملني الطريق
سأظل أذكر أن في عينيك قافلتي.. وعاصفتي
وإيماني العميق
بأن حبك جنة كالوهم ليس لها طريق
لا تنس يوما عندما يأتي الزمان
بحلمنا العذب السعيد
فتش عن الطفل الصغير
وذكره بي..
واحمل إليه حكاية وهدية في يوم عيد..
الآن قد جاء الرحيل)
فاروق جويدة
ما الذي يجعل إنسانا من الناس على قائمة الاهتمام الأولى للبشر؟ سؤال يجاب عنه ببداهة شديدة أن يشتهر بأمر ما ويتميز به إن خيرا وإن شرا!
قد يكون أحد الساكنين في أضواء دائرة الاهتمام طفلا أو بطلا فقدناه في ساحة بطولة؛ وقد يكون رجلا أحمق تسرع وقال كلاما لا يقوله عاقل، ولكنه فعل لأنه ينفث زفرة مصدور وقد يكون مظلوما نصره المنصفون.
ما يدهش أننا أصبحنا نفاجأ بحكمة عظيمة وفداء كبير لشباب صغار يكشفون جليا أننا مجتمع فتي جل سكانه من صغار السن، والأكثر دهشة أن حكمة الشباب ووطنيته يقابلها عداء لشباب آخر للوطن يصر أن يكون الأكثر عنفا ويشوه جمال الطفولة وبراءة ملامح الشباب الندية!
ما الذي يصنع الفارق في الحالين؟! الثقافة والوعي والشجاعة هي ما تفعل ذلك وهي التي جعلت الوطن يلتف حول حزن خاصرته الشرقية والجنوبية؛ ومن يعي قيمة الوطن والإنسان السائر عليه ألا يتردد في الدفاع عنه بكل ما أوتي ولو تحول إلى أشلاء يصعب التعرف على صاحبها.
في الطرف الثاني يفقد عدو نفسه بوصلة الولاء والحب لأرضه فيتحول لبلاء يسير على قدمين متجها ليدمي مقلة الوطن وأهله بدلا من أن يكحلها بجميل فعاله.
الأيام والأسابيع الماضية مدن كانت وادعة ورجال ونساء كبار وأطفال صغار رسموا بطولات مشرفة تعايشنا معها بكل ما أوتينا؛ وفي الأيام الماضية أيضا شاهدت وجوها علاها غبار الإرهاب وأصبحت على قائمة المطلوبين إلا أن القاتل والمقتول في الوطن! وشتان بين زارع الورد وقاتل الود!
من أين جاء هذا التناقض الحاد إلى حياتنا المسالمة؟!
الجواب ليس سهلا لأن بين يدي البطولات والنكبات كان أصحاب اللغة المسمومة ينشرون عداواتهم للحياة، ولا يجيدون إلا تحويل كل موقف أو قرار إلى حطب يشعلون به نارا أحرقت ما تبقى لهم من مكانة في نفوس العقلاء.
والإنسان مجبول على التكيف والتعايش مع مختلف الظروف الحياتية من حروب ومصائب؛ لكننا لسنا مجبرين على احتمال الكثير من النماذج التي تشوه ثقافتنا وعقول أبنائنا وتظهرنا بصورة غير مقبولة يصعب نسيانها؛ لأن دورنا الواعي أن نتقدم لا أن نتراجع عن ركب الحضارة. ولنحاكم أنفسنا وسنجد أن من صور التشويه التي تصالح معها المجتمع الكم العقيم من المسلسلات الرمضانية التي شوهت جمال الشهر بقبح المضمون وبمصافحة وجوه لا تجيد إلا تذكيرنا بأطباء التجميل، وبأن ما تقوم به تمثيل رديء في كل لحظة خاصة مع كل صرخة تنطلق؛ والأدهى أن الأدوار والأعمال باقية وتتمدد كل عام!
من نماذجنا المشوهة الاندفاع للهجوم أو للدفاع عن قضية أو كذبة دون أن ندقق في مضمون ما بين أيدينا منها لنتأكد من لغتها أو أسلوب الذي جاء بها وبعضها لا تغيب شهرا إلا لتعود شهورا .
من صور التشويه الثقافي تقديس بعض البشر وإضفاء صفة العلم والحلم والحكمة عليه، وهو لا يرقى لها بل قد يكون أحد من تتم محاسبته أو بما يثير أزمات الانتماء والولاء وليس أكثر من حافظ لبعض الأحكام الفقهية!
كذلك ما يتم تداوله بين الناس من هجوم، وهجوم مضاد ساذج بين الرجل والمرأة يشوهنا بسخرية لا تفضي إلا إلى التعمق في احتقار الذات والآخر؛ والمنطق ألا نتناقل ما يدمر صورتنا أمام العالم ويجعل بعض المخلصين يوجهون لنا النصيحة!
الثقافة التي تشكلنا تمر بأزمة حقيقية، فالفن العربي الغنائي المعاصر بما يحمل من معان وبالطريقة التي يخرج بها للناس في كثير من صوره فن هابط!
الثقافة المقروءة تحولت عند بعض كتابها إلى ثقافة عامية مكتوبة، وما أكثر الكتب التي لا تحمل أكثر من عبارات متقاطعة لا يمكن حلها ومع ذلك تجد من يتهافت عليها!
الكل مدان حتى بعض المتحدثين بلغة ظاهرها التدين والصلاح وباطنها الجهل والتآمر!
أخيرا يجب أن نسد الخلل ونعترف بجرأة أن هناك فسادا لا يطال مؤسسات أو أفرادا بعينهم؛ بل يطال من رضي وتجاوز عنه؛ فهو مكون مشوه للمعتاد يجب أن نتصدى له لنصنع مجتمعا معرفيا يسلم بفلذات كبده ويبعدهم عن كل سوء كما سلم غيره.