أحمد الله وأشكره على أنني من الجيل الذي تلا جيل "أبو كوية"، وهو الجيل الذي يبدو بطنه أو "علباه" وهي مؤخرة الرقبة أشبه بجواز السفر من كثر الختوم والوسوم التي تزينها، وهي طريقة علاجية هي السائدة في السابق لعلاج الأمراض والأوبئة بالنار.
وحاليا لا تجد عند شباب اليوم من يحمل العلامة الفارقة بـ"العلباه" أو البطن من جراء تطور مجتمعنا ومعرفته بما يحتاجه من الطب الحديث.. وعليه فقد آمنت أن عهد الكي بالنار والتربيط قد ولّى، لكن يبدو أن هناك من بيننا من لا يرى في الطب الحديث إلا مضيعة للوقت، ولا نتاج يرجى منه.
في أصحاب الشأن الأخير فقد قادتني المصادفة أن أستمتع بأحد أبطالها عبر قريب لي زرته في بيته استشفاء له، وكان من حسن الحظ أن الطبيب "أو من كنت أحسبه طبيبا" قد حضر في الموعد نفسه، وفجأة انقلب القريب على ظهره وبدأ المدعو وهو من الجنسية الإندونيسية بالتحسس والتلمس، ومن ثم قال كلمته الشهيرة "هنا وجع" ولم يفتأ صاحبي أن انطلق بالحديث الذي عنوانه الأنين والشكوى وبعدها يمده بكل المعلومات التي يحتاجها.
اللقافة الصحفية لم تغب حينما بادرت الطبيب الخبير عن تخصصه، قال بلهجته الآسيوية الجميلة "أنا طب شعبي" وبادرته فورا هل عرفت العلة؟ ليتبرم من أسئلتي، قبل أن يلمحني قريبي الشايب بنظرة زجر ويقول: خله يشتغل؟! ليحدد العلة الداخلية دون الحاجة إلى مناظير أو أشعة، فقط عبر اللمس ويدعمها بالتركيز بالمشاهدة على بعض أجزاء الجسم.
والطبيب السفري أو المزيف الذي تبرم من أسئلتي أدرك ما يشتكي منه صاحبي، من خلال اعترافاته، ثم قام "بتمسيده وتكبيسه" ومن ثم الضغط عليه، ثم أخرج زيتا دفعه إليه كعلاج، حدد مواعيده ومن ثم نال المقسوم ورحل! إلا أنني لم أتركه في حاله حينما قلت له، لعل ما فيه تمزق والتمسيد أو التدليك قد يزيده تمزقا، ليرد.. "لا فيه جوه هوى، ثلاثة يوم يروح".
من جهتي فقد طفقت أتساءل: أليس هناك أطباء؟ أو ليس هناك مستشفيات قادرة على كشف العلة؟.. لكن ما آمنت به أكثر أن قريبي بات من جملة المساكين الغلابة الذين يطلبون الشفاء حتى على أيدي العمّال الدجالين.. لأن ليس هناك من يوعيه أو حتى ينهى ويمنع الدجالين.
وعلى هذا المنوال ووسط غياب الرقيب والمسؤولية فلا بأس إن غرس دجّال أو دجّالة "مئة مكوى" في بطن طفل رضيع، ولا بأس إذا احتوت محلات العطارة على بعض ما يسمى أدوية تحتوي على الزرنيخ وكل أنواع السموم، ولن يحرك أي وزارة انتشار أرقام هواتف أطباء بلا مسؤولية ولا كفيل ولا شهادة في كل مكان وعلى عينك يا وزارة الصحة، الأمر سيّان ما دام أن الوزارة الموقرة لا يعنيها مثل هذا الأمر.. ولا يعنيها أن ينتشر أبطال الحجامة وبأدواتهم القذرة في كل مكان، ومعهم المعالجون بالسموم وأصحاب القبضات والعصي الصلبة المتخصصون في استخراج الشياطين فقط بخمسين ريالا!