لا يختلف عاقلان على حقيقة دامغة هي أن منطقتنا العربية تعيش وضعا استثنائيا منذ أكثر من أربع سنوات، وتحديدا منذ انطلاق ما بات يعرف بـ"الربيع العربي"، وبغض النظر عن النتائج التي أسفر عنها هذا الوضع الاستثنائي، إلا أنه كشف عن رغبة ملحة لدى شبابنا في متابعة ما يجري على الساحة بعين المراقب حينا وعقل المحلل حينا آخر.
لكن المطالع لنشاط هؤلاء الشباب وحماسهم وبشكل خاص على مواقع التواصل الاجتماعي، يكتشف بما لا يدع مجالا للشك أن الكثير منهم يعاني ضعفا في مستوى قراءته لمعطيات التاريخ الحديث، السبب هنا واضح ويعود برأيي المتواضع إلى غياب أو تغييب مناهجنا الدراسية لهذه المرحلة الحساسة من تاريخ أمتنا العربية.
الكثير منهم كان يربط في البداية مثلا مفهوم الثورة الفرنسية بالثورات التي شهدتها دول عربية عدة، جاهلا أو متجاهلا الأسباب والمعطيات التاريخية التي قامت عليها ثورة الفرنسيين، وما تبع ذلك من صراعات سياسية دامت عشرات السنين وسالت فيها أنهر من الدماء من أجل الوصول إلى إعلان الجمهورية الفرنسية، وأنا هنا لا ألقي باللوم عليهم حتما، والعديد منهم قد سمع بالثورة الفرنسية فقط كمصطلح يتداوله المعلقون السياسيون في نشرات الأخبار.
أتذكر أنني وعندما بدأت دراسة الإعلام في إحدى الجامعات الأردنية عام 2001 دخل علينا أحد الأساتذة يوما وطلب منا أن نكتب بما لا يزيد عن صفحة واحدة رؤيتنا لسيناريو عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية في ضوء معاهدة "أوسلو". كنت حينها أسمع للمرة الأولى كلمة "سيناريو"، ورغم سماعي المسبق بمعاهدة "أوسلو" عبر بعض الصحف والتقارير الإخبارية، إلا أنني لم أعرف يوما فحوى هذه الاتفاقية أو ما نجم عنها.
ما لفتني حينها هو مستوى وعي الطالب الأردني والعربي عموما بما يجري حوله من متغيرات سياسية، وهذا بالتأكيد ناجم عن وعي سياسي أسهمت في تشكيله العديد من المعطيات، لعل أبرزها المواد والموضوعات التاريخية التي تحتويها الكتب والمناهج المدرسية، فيما تغيب عن مناهجنا أحداث تاريخية بارزة عاشها محيطنا الخليجي قبل منطقتنا العربية، منها على سبيل المثال لا الحصر ثورة ظفار في عمان، وعلاقتنا مع إيران وحربا الخليج الأولى والثانية والحرب الأهلية اللبنانية وتاريخ مصر الحديث، دون أن ننسى طبعا نضال الشعب الفلسطيني منذ قيام دولة إسرائيل إلى يومنا هذا.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتوقف مناهج التاريخ في مدارسنا عند نهاية الحرب العالمية وضياع فلسطين، فما تبع ذلك من انتكاسات وانتصارات جدير بالعرض، بشكل يسمح لطلابنا قراءة التاريخ واستخلاص الدروس والعبر، هذا العرض التاريخي سيسهم حتما في بناء الوعي السياسي لهؤلاء الطلاب، وسيسمح لهم فيما بعد بتوسيع مجال قراءاتهم إن رغبوا، واستخدام الحجج والبراهين التاريخية في الدفاع عن سياسة بلادهم والذود عن صورتها في الفضاء الواقعي أو الافتراضي، بل وحتى على المنابر الدولية لمن تسنى له اعتلاؤها يوما ما.
لا يستقيم للأمم أن تعيش بمعزل عن تاريخها، وبقدر ما هو مهم استعراض تاريخنا الإسلامي بكل ما حققه من انتصارات منذ عهد النبوة، بات من الأهمية بمكان تخصيص جزء من كتب التاريخ في مدارسنا لتسطير هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا الحديث وواقعنا المعاصر، والهدف هو إثراء الوعي الثقافي والسياسي لجيل كامل بالشكل الذي يتيح له فهم المعطيات والمتغيرات المتسارعة في محيطه، ومقارعة الحجة بالحجة على قاعدة أن التاريخ -غالبا- ما يعيد نفسه، وأن التعلم من دروس الماضي سيفتح -حتما- أفقا أرحب للمستقبل.