مؤتمرات وندوات وتوصيات توضع في الأدراج أو على أرفف يغطيها غبار يوحي بفقدان الأمل! وكنا نظن أن الباب مغلق إلى الأبد لأننا نعتقد أن المتاح قد فقد!
علامات تعجب تفرض نفسها، وترسل العديد من علامات الاستفهام! كيف تتفشى بيننا تلك الحدود النفسية التي ولدتها الحدود الجغرافية بفعل سايكس بيكو وأتباعه وأعوانه! وتناسى العرب أنهم أبناء عمومة بعلاقة الدم وليس العرق! لأنني حينما عملت على موسوعة عبقرية الإنسان اشتدت بي الدهشة عن صلة القرابة التي تربط الأبناء في الوطن العربي إذا ما رجعنا إلى ما قبل القرن التاسع عشر. شيء مذهل الحقيقة حينما نجد أبناء القبيلة الفلانية في نجد وفي المغرب وفي اليمن وفي مصر، ونحن لا نعلم أن القبيلة نفسها تنتمي إلى أب واحد وأم واحدة! ولكنني استرجعت مقولة أحد المفكرين حينما سألته عن الحرب إبان حرب العراق الأولى، وكنت حينها قلقة خائفة حانقة مندفعة وبكل مرادفات هذه الكلمة؛ إلا أنه ضحك حتى بانت نواجذه وقال: ألا تعلمين أن الحرب عافية الشعوب؟! أي عافية تلك وأي ضحكة يضحكها مفكرنا والتي أتلفت أعصابي حينها لولا أنني كنت أثق في فكره ورصانة عقله.
وها نحن على مشارف كلمته التي قالها منذ أن كنا طلابا. ها هو الوطن يلملم أطرافه، وها هي الشعوب تشعر وتتألم وتحتضن وتتضامن، وتؤازر وتدفع ما لديها للآخر وللآخر تقدم كل الامتنان. هذا على مستوى الشعوب، أما على مستوى الحكومات فطالما ننتظر أن تخرج اجتماعاتهم بقرار، أو بما يروي عطش الطامحين لهوية ضامة تحتضن أبناءها في تلافيف ثيابها من هجير لافح وزمهرير الصقيع، عطشا لتراب الأوطان الواحدة من الخليج إلى المحيط.. ألسنا نقول: وطننا العربي؟ هل هي كلمة عابرة لا تجد إلا رنينا طنَّانا يذهب مع سرعة الريح؟
لنتأمل حكاية طريفة في ظاهرها كوميديا مضحكة وفي باطنها ما تستنتجونه أنتم بأنفسكم:
محمد ومحمد جنديان يحرسان الحدود كل يقف على خط وهمي هو الحد المرسوم له والقيام على حراسته، إلا أنه يتبادل الأحاديث الودية مع جاره، وحينما يأتي موعد الغذاء يضعان الأكل على ذلك الخط ويتناولان طعامهما عليه ويحمدان الله على النعمة في آخر اليوم، بينهما مودة وصداقة غاية في الصدق والإخلاص، إلا أنه لو وضع أحدهما قدمه على الخط الوهمي ذلك لأطلق عليه رفيقه الرصاص. معادلة صعبة إلا أنه الواجب، ولكن ضد من؟ ضد سميّه وصديق عمره!
وفي غسق الصباح يجدان لفافة غريبة على الحد، فيتهم كل منهما الآخر بوضعها خشية أن تكون شحنة متفجرة أو ما شابه. تأتي السلطات تتدرج في كل مرة بمسؤول أعلى درجة وكلما أتت جهة تطلب إزاحتها نحو الطرف الآخر تفاديا للمسؤولية، حتى يصل الأمر إلى الأمم المتحدة التي تتخذ قرارا ببناء حول (اللفافة) لحين البت في أمره، ثم تبنى أسوارا تتحول فيما بعد إلى آثار تقام حولها الرحلات المدرسية بأن هذا السور خلفه الأعداء! وبين المباحثات والمؤتمرات والمفاوضات حول اللفافة وبناء الأسوار التي تحولت المدن بفعلها إلى متاريس وحارات، وبين تضخم اللفافة داخل الغرفة التي بنيت حوله، تتكشف الأمور، بأن ما كان بداخل هذا اللفافة هو طفل رضيع وضعته أمه كي يحيا بين المحمدين، لكنه مات وانتفخ من جراء المفاوضات والترهات وتمزيق المدن بالمتاريس بدعوى الحماية من الأعداء الذين كانوا إخوة يوما ما! هذه أحداث إحدى مسرحياتي (السور) التي كتبتها عام 1999 وكأنني أرى ما سيحدث في يومنا هذا اعتقادا منى أن المفتاح قد فقد للباب المتروس!
لكنها تصدق مقولة مفكرنا، ويتحد الوطن العربي شعبا وقادة، ونستبشر خيرا بقيام جيش عربي موحد، ونرى حكامنا كيف أنهم يقفون بكل وعي وتحدٍّ وثقافة لما يحاك لهذه الأمة. سيعود الوطن العربي -بإذن الله- أقوى مما كان، لأن الحرب عافية الشعوب. لأنها كالحمى التي تنفض الجسد وتقتل كل ما به من ميكروبات وجراثيم وفيروسات فيعود أقوى مما كان. سيذهب الإرهاب والإرهابيون، وسيذهب كل دخيل وكل عميل بفعل الحمى القاتلة للفيروسات، والوطن أكبر وأوسع وأشمل من أي عمالة وأي خيانة. لأن محمد ومحمد حملا معاولهما وكسرا كل الأسوار الوهمية في آخر الحدث الدرامي.