تنتهي من التسليمة الثانية وقبل أن تباشر الاستغفار والتسبيح، يقفز أحدهم من حيث لا تدري إلى الصف الأمامي، وبصوت واضح ومسموع يبدأ في عرض مشاكله مع المرض والديون ومصاريف الأبناء، وكل شيء يقوله مثبت بالفواتير والمستندات! الأمر مريب فهو يظهر تماما كما يفترض بلا زيادة ولا نقصان، كل شيء يقوم به مدروس بعناية ليجذب شفقتك، لكنك لا تفكر في كل هذا لأنه يلهيك بعبارة "لله يا محسنين".

رسالة تصلك عبر "الواتساب" عبارة عن مقطع فيديو لشخص يستغفر الله كثيرا ثم يورد بعض الأحاديث والأدعية ثم يطالبك بإلحاح غريب أن تنشر المقطع قدر المستطاع حتى تنال أنت وهو الأجر والثواب من الله، اُنشره لوجه الله، فتنشره لوجه الله، وبعد فترة تفاجأ بأنه أصبح علما من أعلام مواقع التواصل، يعظ وينصح ويفتي، وبعضهم تستضيفه الفضائيات وآخرون يقيمون الندوات، اللهم زدهم وبارك لهم، لكنهم منذ البدء لم يقولوا الحقيقة أبدا، لم يقولوا إنهم يريدونك أن تكون سلما يتسلقونه للارتقاء، لم يقولوا إلا: انشر "لوجه الله"!

جماعة من الأفاضل يجمعون التبرعات لأجل أعمال الخير ومساعدة المحتاجين في غابات أفريقيا وقرى آسيا، فتشارك معهم بحثا عن الأجر والثواب، وقبل أن تدفع يحدثونك بحديث تقشعر له الأبدان، ويعرضون لك صورا ومشاهد لفقراء تلك البلاد، فتبكي ويبكون أيضا، ثم تقرر "لوجه الله" أن تدفع بشكل شهري ومنتظم، وفعلا تلتزم إلا أنك تتفاجأ بعد فترة بأن جماعة من الأفاضل قد حجزوا للسفر إلى "جبال الألب السويسرية" و"شارع الشانزليزيه في باريس" لإحياء ليالي رمضان هناك!

تذهب إلى البنك الإسلامي وتطلب منهم قرضا، فيوضحون لك أولا مدى شرعية القرض، ثم يوضحون بالتفصيل الممل مراحل شرعنة القرض، وأخيرا يخرجون لك عشرات الفتاوى التي تُجيز هذا القرض، فتطمئن وتوقع الأوراق، لتتفاجأ بأن فائدة هذا القرض الشرعي أعلى بأضعاف من فوائد قروض البنوك الأخرى، تسأل: لماذا؟ لا أحد يجيبك، حينها ستفترض -وربما تكون محقا- بأن هذه الفائدة المبالغ فيها هي ضريبة تدفعها لأنك "تخاف الله"!

نماذج كثيرة تجعلك تشعر بإحساس غريب، لا تدري هل أنت مغفل أم أن "مخادعة الله" عند الآخرين باتت كشرب الماء؟!

أين آلاف الخطب والمواعظ؟ ماذا عن الجنة والنار؟ لماذا أصبح اسم الله تعالى وسيلة للنصب على عباد الله؟! لماذا يستغلون إيمانك الفطري بالله، ورغبتك في رضاه ونيل ثوابه؟! إنك في قرارة نفسك تريد أن تفعل الخير، وإنهم يعلمون أنك تريد صادقا أن تفعل الخير، لهذا يستغفلونك ويخادعونك، يوضحون لك أن كل شيء يقومون به لوجه الله، ثم تكتشف مع الوقت أنهم أشركوا مع الله عشرات الأسباب.

ما الحل؟ هل يريدوننا أن نبدأ في إساءة الظن بالجميع، أن نسيء الظن بالمحتاج فعلا، كي لا يلدغنا ألف نصاب، وما ذنب المحتاج المسكين؟ إنه إن فعل أحدنا وبدأ في إساءة الظن بالجميع فسيختنق وحده؛ لأنه لا يُسيء الظن إلا خائف، ومن أسوأ درجات الخوف هو الخوف من فعل الخير، ثم إن المعروف يموت بسوء الظن ويختنق بالاحتراز، فما الحل قبل أن يختنق المعروف؟

وإن ما يحز في النفس أكثر أن مثل هذه التصرفات أصبحت شائعة، مثل هذا النهج أصبح ضالة كل من يمر بضائقة مالية، وكل من يحلم بمكانة اجتماعية، خصوصا أنه لا يتطلب الشيء الكثير، يكفي المرء أن يتلزم بالمظهر الديني المحدد ويحفظ بضع آيات وأحاديث، وسينجح ماديا واجتماعيا بشكل يفوق التوقعات، وأن يكون الأمر بهذه السهولة فهذا يعني انضمام مزيد من المرضى للسير في هذا الطريق.

الحقيقة، أن البنوك الإسلامية في العالم الإسلامي قد شوهت المعنى الرائع للاقتصاد الإسلامي، لأنها تخدع العملاء باسم الله، وأن النصابين الذين يقفزون للصفوف الأمامية في المساجد أضروا تماما بالمحتاجين فعلا، وأن المرضى بحب التملك والظهور المرتدين لعباءة رجال الدين قد شوهوا صورة رجال الدين بالعموم، الحقيقة أنهم خدعونا ولا يزالون بقولهم "لله".

أفواههم متخمة بعبارات التسبيح والتكبير والتهليل، تدخل المسجد فتجدهم بين قائم يصلي وجالس يستغفر، تتابع الإعلام أو مواقع التواصل فتجدهما عامرين بالإيمانيات والروحانيات، خاشعين لله، أولياء صالحين، مؤمنين أتقياء، حالتهم هذه تجعلك تتساءل مستغربا: كلكم أهل خير وصلاح، فمن سرق ونصب ومارس الاحتيال بفن؟ كلكم يبكي من خشية الله، يعمل لوجه الله، لا تريدون جزاء ولا شكورا، فمن أين يأتيكم هذا الدخل الإضافي؟

حاول الآن أن تفضح هؤلاء، النصاب في المسجد أو البنك المتلاعب أو تنتقد فضيلة الشيخ الذي حرم السفر إلى بلاد الكفار ثم حجز على أول رحلة، أو هذا الذي يرسل رسائل يذكرك فيها بالله ثم يذكرك أن تجعله مشهورا لوجه الله، حاول أن تفضح أحدهم، أن تنتقده في العلن، سيبادر فورا إلى تكفيرك ولعنك، لا لشيء إلا كي ترضى وتقتنع بأن صفة مغفل أفضل لك وبمراحل من صفة كافر وزنديق!