غابت عن الأغنية ملامح كثيرة مهمة، الكلمة أولها وأهمها، تحولت العملية إلى تعليب حقيقي، فمن النادر أن تسمع أغنية تعيد شحنك بالحياة، إيقاع صاخب وإزعاج. في السابق كان هذا يحدث وكان كثيرون يشتكون كما أفعل الآن، لكن كان هناك بعض أشياء تجعلنا نتحمل، تحول الملحنون إلى حالة مصنعية رغم أن نتاجهم سيئ إلا أنهم يعمدون إلى حالة إغراق كاملة، تستغرب هذه القدرة الهائلة على الدفع بعشرات الألحان لكل من يطلب، غزت الأغنية الفردية الأعمال، وأصبح النجوم يلجأون إليها، لا تكلف الكثير وتخلق الحضور المطلوب وهذا يكفي، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ امتد التشويه إلى أغان جميلة لمطربين آخرين لا يزالون على قيد الحياة.

استمرت الأيدي الرخوة والأصوات الرديئة في التطاول على حقوق الآخرين وبأصواتهم البشعة وأموالهم الأبشع، صاروا واقعا مفروضا يقدمون خدماتهم في إحياء حفلات التخرج الابتدائية وبعد الزفاف، فرّغ هؤلاء جميعا الأغنية من مضامينها بوصفها نفحة بهجة وتعبيرا شعوريا، صاروا يكتبونها ويؤدونها وفي أذهانهم الجلسات الشعبية، تغير واقع الحال، حتى الملحنون المغامرون تراجعوا بشكل هائل. الإخلاص لفكرة الموسيقى المحضة انكفأ، صار الأمر فجا ولا يطاق، "طيران" ولا شيء غير "الطيران"، وإيقاعات ليست إلا الإيقاعات "الجلدية" المزعجة، لم يعد الأمر يتعلق بالحالة الخليجية بل صارت الحالة عربية أشمل، انشغل العرب من ملحنين ومطربين وشعراء وفنانين في السياسة وفرز المواقف والاتهامات، وتركوا شأنهم وكأننا نعاني قصورا ونقصا في أعداد المتسلقين المتلونين والحزبيين، الشعراء لم يعودوا متحمسين لكتابة ما هو أجمل وأبسط وإنساني في مقابل ما صار حسيا وغرائزيا، الملحنون ذهبوا إلى التكنولوجيا والنقل وتركوا الابتكار العميق لما هو غير موجود أساسا، مهمة الموسيقى الأزلية في بعث الفرح وشحن الناس بالحياة والتعبير عن أحزانهم وحبهم كما مهمة الفنون منذ الإنسان الأول تراجعت لصالح أشياء كثيرة، فيما برامج المسابقات لا تظهر صوتا ولا تدعم موهبة ولا تفاجئنا بجديد، الأغنية مهمة وتتخلى عنا الآن، نفقدها ونتجاهلها فتتراجع لصالح أشياء أخرى أقل جودة وتأثيرا، وأعتقد أننا سندفع ثمن ذلك في مشاعرنا وأحاسيسنا وقدرتنا على تذوق الحياة وتحمل ظروفها.