في بلدنا القارة، المملكة العربية السعودية، توجد كل مقومات السياحة الجاذبة، ومعظمها غير مهيئة بمستوى جاذب يجبر السائح من الداخل على ارتيادها، لدينا شواطئ على البحر الأحمر من أجمل شواطئ العالم امتدادا من ينبع إلى حقل، وفي الجنوب من أجمل الجزر، جزيرة فرسان، ولدينا الآثار التي لا نعرفها ولا نعرف تاريخها ولا نستمتع بزيارتها لعدم وجود الخدمات، ولدينا المحميات الجميلة التي حافظت عليها الدولة بما فيها من الأحياء التي تعيش فيها ولم تزود تلك المحميات بالخدمات التي تجذب السائح كذلك.
لقد تركزت السياحة على مدن الطائف والباحة وأبها التي لم تشكل سياحة داخلية كاملة بالمستوى الذي يجعلنا نقول إن لدينا سياحة حقيقية، تكفل إجبار السائح على تغيير وجهته إلى الداخل على الرغم من المحاولات لعمل ذلك، فالمسؤولون يتحدثون عن صناعة السياحة، لدينا بدايات لم تكتمل في صناعة السياحة وأظن سبب عدم اكتمالها هو أننا نعتمد على الدولة في تهيئة كل مقومات السياحة، وهذا صعب بسبب أنه ليس من مسؤوليات الدولة أن تتولى صناعة السياحة بل من مسؤوليات القطاع الخاص.
وأظن أن الإخفاق تمثل في عدم وجود خطة متكاملة تجذب قطاع الأعمال للمشاركة بفاعلية كبيرة في صناعة السياحة في بلادنا، ولهذا فإن من المجدي سن قوانين وأنظمة، إضافة إلى إعطاء تسهيلات كبيرة ومغرية يهرول لها المستثمرون الذين لا يجب أن يكونوا من رجال الأعمال المعروفين ولا من المشتغلين بالسياحة الآن، بل قد يكونون مستثمرين جددا بمواصفات محددة، تماما مثلما فعلت ماليزيا عندما بنت مستثمرين جددا من فئة
الـMalay. كما أن تأجير الأماكن السياحية على الشواطئ وتأجير المحميات وأماكن الآثار والأراضي التي تقام عليها الخدمات المساندة مثل الفنادق والشقق المفروشة في تلك الأماكن الجديدة عنصر جذب مهم، ليس هذا فحسب بل الدعم المالي على شكل قروض كبيرة لصناعة السياحة في تلك الأماكن، وذلك عبر إجراءات سلسة وسريعة تتولاها جميعها هيئة السياحة؛ لأن ذلك يتطلب مراجعة وزارات عدة فيها بيروقراطيات مملة تجعل المستثمر يمل ويتراجع بسرعة.
وسمعت عن تدخل مسؤولي السياحة أحيانا لتسريع إجراء هنا أو هناك، ما يجعل السياحة الداخلية تحتاج -في نظري- إلى إعادة صياغة للأماكن والأنظمة، وذلك بإدخال سياحة جديدة مثل المحميات والآثار والسياحة البحرية المتمثلة في الألعاب البحرية والرحلات البحرية القصيرة "كروز" وغير ذلك.
إننا إذا لم نفعل ذلك فسيظل السؤال التقليدي قائما: هل نجحت السياحة الداخلية عندنا؟ نعرف جميعا أن عامل الطقس لم يعد العامل الوحيد الذي يضمن صناعة سياحية ناجحة، ولم يعد عامل الجذب الوحيد، ولكم أن تسألوا الذين يسافرون للسياحة في مناطقنا السياحية "الطائف- الباحة- وأبها" سيمضون اليوم الرابع أو الخامس أو قل السابع ثم ينظر بعضهم إلى بعض ثم ماذا بعد؟
يمكننا أيضا أن نستطلع رأي المجتمع في ماذا يريد عبر أسئلة من نوع: ماذا يريد المجتمع بكل مستوياته من السياحة؟ ما المقومات الأساسية التي تضمن سياحة ناجحة تلائم بيئتنا؟ ما المعوقات الأساسية لنجاح السياحة؟ كيف يمكن مساعدة المشتغلين بالسياحة على النجاح والاستمرار في العمل في مجالها وعدم تركها بعد تجارب سلبية، وكيف يمكن تفادي مثل تلك التجارب؟ كيف يمكن تشجيع المشتغلين الجدد بالسياحة وتوظيف مزيد من رؤوس الأموال في هذا القطاع؟ هل تم استثمار كل الأماكن المؤهلة للاستثمار السياحي وبالسرعة الممكنة؟ وما عوائق بطء الاستثمار في مثل هذه الأماكن؟ كيف يمكن أن نغير وجهة السائح السعودي والعربي إلى السياحة الداخلية؟ كيف يمكن استقطاب سائحين من دول العالم؟ كل هذا لا يمكن أن يأتي مصادفة ففي نظري لا بد من استراتيجية شاملة تأخذ كل ما ذكرته أعلاه في الحسبان.
إذا لم نتمكن من الإجابة عن تلك الأسئلة بوضوح وشفافية لا أظننا نستطيع أن نقنع بالمستوى الذي نريده في سياحتنا الداخلية. نسمع عن سائحين يعودون بعد زمن قصير لأنه لا شئ يستحق المكوث أكثر، ونسمع عن سائحين يفرون من الغلاء، وقد تكشف لنا الدراسات أن هناك من الأمور التي أهملناها وأهمها العامل الأساسي للجذب.
في بعض المنتجعات في بعض الدول يمتطي السائحون سفينة كبيرة فيها مطاعم تبحر بالسائحين لمدة 4 أو 5 ساعات يستمتعون فيها برحلة بحرية جميلة، ويقومون بممارسة هواية صيد السمك، أو الاستمتاع بوجبة شهية على ظهر السفينة في وسط البحر. وهناك في بعض الدول يذهب السائحون إلى إحدي الجزر لقضاء يوم كامل لممارسة بعض الألعاب الرياضية أو السباحة أو صيد السمك أو عمل "باربكيو"، وأتساءل عن التأخر في استثمار الجزر المتعددة لدينا والتي أعرف أنها جزر تتمتع بشواطئ غاية في الجمال من ناحية تربتها وماؤها.
خلاصة القول: نحتاج إلى استصدار مزيد من الأنظمة، إضافة إلى تشجيع المستثمرين بالمال أو بعقود طويلة أو بشراكات حكومية تضمن رأس المال والنجاح معا، أو بتخفيض سعر الإيجار، فضلا عن توسيع دائرة صناعة السياحة في بلادنا باعتماد مكونات سياحية جديدة ذكرت آنفا، وكل ذلك بتهيئة القطاع الخاص بقوة عن طريق بناء مستثمرين جدد.