حديثنا هذه الأسابيع يتراوح بين أطروحتين أساسيتين، أطروحة خير العنف وأطروحة عنف الخير. الأطروحة الأولى تتأسس على الدعوى التالية: العنف ضروري للمعرفة وباعتبار أن المعرفة خير فما يؤدي لها فهو خير. في الحوار السقراطي يتمثل هذا العنف في رد الذات والآخر إلى ثالث مشترك وضرورة هدم البناء المعرفي القديم وما ترتب عليه من ارتباط شخصي من أجل البناء الجديد.

الأطروحة الثانية هي عنف الخير وتعني العنف الناتج عن التصورات التي نتبناها للخير والحق والجمال. حين يبني سقراط مدينته الفاضلة مثلا فإننا نرى أثر ذلك الخير على الآخر حين يتحول إلى برنامج سياسي واجتماعي. لكي نلاحظ العنف يجب أن نسأل عن الآخر. من تم طرده من المدينة؟ ما الممنوع؟ وما المسكوت عنه؟ الجمهورية الفاضلة قائمة على إخراج الناس من الظلمات إلى النور عن طريق التعليم. هذه هي الأطروحة الأساس خلف أسطورة الكهف. سقراط حكى قصة الكهف ليوضح تأثير التعليم على الناس. أثناء سرد الحكاية كان يلحّ كثيرا على أننا مثل سجناء الكهف نرى ظلال الأشياء ونعتقد أننا نرى الأشياء ذاتها.

الجمهورية مبنية على مفهوم الخير المثالي الأفلاطوني، بمعنى أن هناك معرفة معينة، معرفة المثل، إذا وصلنا لها فإننا قد وصلنا للحقيقة. بالنسبة لأفلاطون/سقراط فإن الوصول للحقيقة يعني استحقاق تطبيقها. هذه هي القاعدة الأساسية لبناء الجمهورية. إذن الجمهورية ستكون مدرسة كبيرة متأسسة على تصور محدد للخير والعدالة. من مبادئ الجمهورية أن يقوم كل إنسان بعمل واحد فقط. فأساس البلاء بحسب سقراط قادم من القيام بأكثر من مهمة في ذات الوقت. الجمهورية المدينة يتم تشبيهها كثيرا بالجسد الإنساني. الإنسان لديه نزوع لثلاث: نزوع للمعرفة تمثله طاقة العقلانية ونزوع عاطفي للانتقام والفخر تمثله طاقة العاطفة ونزوع للملذات، للمال والجنس تمثله طاقة الجسد. الإنسان السعيد هو من يقوم بترتيب هذه الطاقات لتعمل بشكل صحيح. التقسيم الصحيح عند سقراط هو أن يتولى العقل إدارة البقية. المدينة الفاضلة يجب إدارتها بذات المنطق لذا يتم تقسيم الناس لثلاث طبقات: طبقة الحكام وطبقة الجند وطبقة العمال. الدعوى الأساس هنا هو أن تقسيم الناس يتم بناء على قدراتهم "الطبيعية". بمعنى أن العامل الذي سيعمل في وظيفة شاقة ومردودها محدود يقوم بذلك لأن قدراته الطبيعية لم تؤهله إلا لذلك. هل سيكون شقيا؟ ولماذا تمت التضحية به؟ يسأل محاورو سقراط. الجواب أولا إن المدينة مشغولة بسعادة المجموعة وليست بسعادة الأفراد. ثانيا هذا العامل سيدرك القيمة خلف قيامة بهذه الوظيفة بمجرد أن يرى ويدرك معنى الخير الكلي الذي تم تأسيس المدينة عليه. المشكلة أن هذا العامل قد تم استبعاده من طبقة القادة تحديدا لأنه غير قادر على التفلسف.

المبادئ الأساسية خلف الجمهورية هي: معرفة الخير تعطي الحق في تطبيقه، هناك طبيعة ثابتة للأفراد، كل فرد يقوم بمهمة واحدة فقط، سعادة المجموعة لا سعادة الفرد هي ما يهم، وأن إخراج الناس من الظلمات إلى النور يتم من خلال لف وإدارة الروح إلى الاتجاه الصحيح وهذه مهمة التعليم. كل مبدأ من هذه المبادئ يثير قلقا كبيرا. لكن المجموع كله يحيل إلى ما يسميه كارل بوبر في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه" بـ"النظام الشمولي". المبدأ الأول خطير جدا ولا يبرره لسقراط إلا إيمانه المطلق بأنه على حق. بهذا هو مثل المؤمن الديني الذي يعتقد أن تطبيق معتقداته أمر طبيعي فهي الحق المطلق. الفرق ربما أن سقراط يعتقد أنه وصل لهذا الحق بطريقة شخصية وليس عن طريق التقليد أو الإيمان.

هذه القناعة العميقة تبرر العنف وتجعله طبيعيا. تبرر تأسيس دولة تحتكر العنف. ماذا لو كان سقراط مخطئا؟ أي تبرير يمكن –إذن- تقديمه للعنف الناتج عن برنامجه الاجتماعي والتربوي والسياسي؟ المبدأ الثاني خطير جدا لأنه يحيل القرارات من كونها اجتهادات شخصية إلى كونها قرارات طبيعية. الإحالة للطبيعة هنا تعطي القوانين قوة شبيهة بقوانين الطبيعية. قوانين الطبيعة حتمية ثابتة لا تراعي مشاعر الناس وليس هناك معنى لرفضها أو مقاومتها. حين يكون القانون التربوي أو الاجتماعي بذات الصفة فنحن أمام جمود للحياة البشرية. الواقع أن سقراط كان يسعى للاستقرار في فترة عانت فيها أثينا من تقلبات سياسية مستمرة. كذلك تحديد مهمة واحدة للفرد يحتوي عنفا هائلا يعمل ضد فكرة التغيير والتجديد والاختلاف، والتي هي جزء أصيل من التجربة البشرية. لنتذكر أن المهنة الواحدة هذه لن تكون نتيجة للخيار الفردي بل للقرار التربوي المبني على اكتشاف طبيعة الطالب. مبدأ السعادة الجماعية أيضا مضلل لأنه ينقل السعادة وهي شعور فردي خاص إلى شعور جماعة ذهنية لا يمكن معرفته. بمعنى أن السعادة الفردية مباشرة بينما السعادة الجماعية غير مباشرة وفي أحسن أحوالها هي سعادة عدد من الناس لا جميعهم. هذه الفجوة تجعل من استعمال السعادة الجماعية أداة للدعاية الأيديولوجية لا أكثر. مبدأ لفّ الروح وإدارتها لكي ترى النور مرعب. لتوضيح ذلك أتذكر هنا المفكر (روجر وليمز) الذي عاش في القرن السابع عشر وشاهد تعامل الإرساليات المسيحية مع السكان الأصليين في أمريكا. يصف روجر ما حدث باغتصاب الروح باعتبار أن المسيحيين كانوا يرون السكان الأصليين مجرد كائنات تعيش في الظلام، ولا بد من إخراجها إلى النور ولو حتى بالقوة. ما الفرق بين سقراط وتلك الإرساليات؟ ما الذي يجعل عمله إخراجا للناس من الظلمات إلى النور وعمل أولئك اغتصابا لأرواح البشر؟ هذا ما سأستمر في طرحه في المقالات المقبلة.