تسألني نفسي الجامحة هذه الأيام عن مزيد من ظلمات الحزن: من افتقدت في الثواني الأخيرة ليلة الإفطار الأول من رمضان من أولئك الذين كانوا في حياتك من العام الماضي وفي ذات اللحظة. هم أربعة: صديق المهجر والمحضر، الأستاذ الدكتور، مبارك بن سليمان الذي رمى برحيله المر جمرة حمراء من "الغضى" الذي لن تطفئه سحابة دمع. بعده، كان راحلنا الكبير عبدالله بن عبدالعزيز الذي كان يصعب لمقبرة "العود" أن تستقبله في زاوية قصوى وهو الفارس الذي احتضنته قلوب شعب. فقدت زوج عمتي يوم كان "أبو زارب" أبا بديلا بعد رحيل أبي قبل ربع قرن.

لكنني اليوم سأكتب حرقتي وألمي إلى الجمرة الأخيرة التي استوطنت في أحشائي ما تبقى من لوعة الراحلين في شخص والدي، وعمي، وعميد أسرتي وكبير جماعتي، مسفر بن محمد الموسى. كنت على حافة قبره في "عصر" الرحيل الحزين وهذا ما لم أفعله من قبل في كل حياتي. كنت دائما أصر على البقاء بعيدا عن "الحفرة" النهائية وكنت حتى، ألوم عيني وهما تسرقان مناظر "الإنزال" الأخير من بين أرجل المشيعين.

كنت أبكي، أبانا، وأنا أمسك برأسه حتى بات بعيدا عن مسكة أصابعي بعد أن أصبح على بعد مسافة ما بين اللحد الأخير وبين سطح الأرض. كنت أبكي لأنني لا أعرف أبدا: هل هو الذي يقبرنا أم نحن الذين نقبره. كنت أسترق الخيال من ثنايا السؤال المخيف: هل نحن نقبر القرية في شخصه أم فقط نقبر معه "مكارم الأخلاق" التي لا تقرؤها إلا في بطون كتب التراث والسلف. كنت أتابع تلك "العجلة" المجنونة على النجدة والفزعة بأحجار اللحد، وكنت أشاهد كفنه الأبيض وهو يختفي شيئا فشيئا حتى وصلنا إلى حجر اللحد الأخير، ويا للمفاجأة: استبدلناها ثلاث مرات وفي كل مرة لم أكن أسمح لعيوني، حتى، أن ترمش لعلي أحظى بمزيد من الوقت كي أرمي النظرة الأخيرة على "القدمين" في نهاية اللحد. تلكما القدمان اللتان زالتا بعد أن جالتا لثمانين حولا، في كل ركن وسبيل ومزرعة وبئر في هذه القرية ثم اكتفتا في النهايات الحزينة بنصف متر طولي في مقبرة أهله. كان عمي، وهذا ما أعرفه عنه، لا يحب شمال غرب القرية ومع هذا سافر إلى هذه البوصلة، غادرت المقبرة وقد ودعت للأبد سيرة "كفن" لم يعرف في حياته سوى الحب وروح الاجتماع وروائع النفس. سأزوره غدا في ليلة سوداء مقفرة مظلمة.