ما أحوجنا في هذه الأيام إلى قيام حوار استراتيجي مصري سعودي، لأن العدو الذي يسعى لتقسيم الوطن العربي يقوم بكل ما هو واجب عليه للوصول إلى هدفه، بينما نحن نتكئ على المصادفات والعمل العشوائي والفردي لصد تلك الهجمات.

لقد كان الدرس الأكبر من دروس أكتوبر 1973 هو تكاتف العرب وفي مقدمتهم مصر والسعودية في مواجهة إسرائيل المدعومة والمتحالفة مع أميركا آنذاك، الأمر الذي غيّر من استراتيجيات الحرب والصراع في العالم كله منذ ذلك التاريخ، ومنذ ذلك الوقت أقسم قادة اللوبي الصهيوني الذي يحكم العالم ويسيطر على صناعة القرار في أميركا أن يكون ذلك الانتصار هو الأول والأخير الذي يمكن أن يحققه العرب على دولة إسرائيل، ذلك الكيان الذي يمثل جسر الغرب وأميركا المتقدم في الشرق الأوسط.

بدأ التخطيط الاستراتيجي للعدو مصحوبا بالمؤامرات ينسج خيوطه حول المنطقة، بدءا باستبدال الخطر الأحمر بالخطر الأخضر ومرورا بإقناع شعوب العالم المتقدم بالخطر الإسلامي الذي يجب مقاومته عبر حصاره في منطقة معينة لا يبرحها، وانتهاء برسم استراتيجيات جديدة للحرب تعتمد على تفجير العدو من الداخل.

ومن ثم بدأت عمليات تصدير العداء الشيعي السني تحت ستار الأطماع التوسعية للدولة الفارسية المسماة "إيران"، وبدا الإيحاء بإمكانية قبول حكم الإسلام السياسي لمنطقة الشرق الأوسط، شريطة أن يكون معتدلا، ووضعت أول لبنة لحوار استراتيجي مع جماعات الإخوان الإرهابية وغيرهم، وصولا إلى اللحظة الحاسمة التي وصل فيها الإخوان إلى السلطة في أكبر دولة عربية لتبدأ واشنطن وحلفاؤها في حصد ثمار أربعة قرون من التخطيط الاستراتيجي الدقيق الذي يهدف لجعل انتصار أكتوبر هو الانتصار الأول والأخير للعرب على إسرائيل.

كانت الخطة الأميركية تهدف إلى الضغط على الإخوان مستغلين ولعهم بالسلطة، أي سلطة، حتى ولو كانت على شبر من الأرض، لتنفيذ الاستراتيجية الأميركية لتفتيت الجيوش العربية والدول العربية، وخلق حدود جديدة تقوم على الرؤية العرقية بديلا عن الرؤية الوطنية القومية، فينقسم العراق، بعد تفتيت جيشه، إلى دويلات ثلاث، كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية في الوسط. وتنقسم سورية بعد استنزاف جيشها إلى دولة علوية وأخرى سنية وثالثة مسيحية، وكذا لبنان واليمن وصولا إلى السعودية ومصر.

وكما كانت مصر حجر العثرة الذي تحطمت عليها أحلام إسرائيل الكبرى

 "من النيل حتى الفرات" عندما لقنت الجيش الذي لا يقهر، درسا لن ينساه طوال فترة بقائه في المنطقة، التي نتمنى ألا تطول، فقد تحطمت أحلام وخطط ومؤامرات الغرب على الصخرة المصرية في 30 يونيو 2013، وكما كانت السعودية عاملا حاسما في انتصار مصر في حرب أكتوبر المجيدة، مثلت المملكة بجانب شقيقتها الإمارات الداعم القوي لعبور مصر الثاني نحو كسر الهيبة الغربية عبر ثورة يونيو العظيمة. لكن السؤال هل استسلم الغرب لما حدث، والإجابة حتما بالنفي، فما زالت عواصمه تسعى لتركيع المنطقة والانتقام لما حدث لكرامتهم في 30/6 التي أهدرها الشعب المصري عبر الإطاحة بعرايس الماريونيت الغربية المسماة بجماعة الإخوان، لذا فإن واجب اللحظة يحفز قيام حوار استراتيجي عربي، يبدأ بالدولتين المحوريتين، السعودية ومصر، وتلحق به وتشارك فيه الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج التي تدعم ثورة 30 يونيو، أملا في وضع أجندة لتحقيق الوحدة العربية تبدأ باتفاقيات دفاع عربي مشترك مرورا بتكامل اقتصادي عربي عربي، وصولا إلى تشكيل جبهة عربية صلبة تقف بالمرصاد ضد المخططات الغربية الهادفة إلى تقسيم وتركيع المنطقة لصالح إسرائيل الكبرى، فهل نحن فاعلون قبل فوات الأوان؟