منذ بدء الخليقة تحصن الإنسان بانتمائه إلى الأسرة والعشيرة والقوم، والأرض والوطن، وفي الدائرة الأوسع إلى العقيدة والدين، ليمتد مفهوم الوحدة الوطنية من تواجد الإنسان في بقعة جغرافية واحدة، إلى وحدة الانتماء المبني على الأمن الوطني والأمان الجغرافي. واليوم في عصر العولمة تحول هذا المفهوم من مبدأ الوحدة الوطنية إلى مبدأ المصالح الإقليمية، التي تحقق رغبات الأهداف الموحدة لقضايا الإقليم المشتركة، كما هو الوضع في دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي واتحاد دول آسيان، التي نجحت في تطويع دفة العولمة لصالح وحدتها الإقليمية.

هذا التحول المفاجئ أدى إلى اختلاف الخبراء على تعريف الوحدة الوطنية، التي تتكون من كلمتي الوحدة والوطنية. فبعضهم يرى أنها تمثل انتماء الإنسان إلى وطنه، الذي يحمل جنسيته ويدين بالولاء لدولته، بينما يرى البعض الآخر أن الوحدة الوطنية جزء لا يتجزأ من القومية بما تعنيه من انتماء للأمة، نتيجة ترابط أفرادها بسبب الاعتقاد، أو وحدة الأصل، أو الاشتراك باللغة والتاريخ، كما هو الوضع بالنسبة للقومية العربية، التي فشلت في لم شمل شعوبها العربية تحت شعار الوحدة الإقليمية.

وبما أن التوافق بين الوطنية والقومية يتضمن الانتماء للأرض والوطن معا، بشرط أن يكون الوطن مجموعة من الأراضي التي تعيش عليها الأمة وتدير سياستها مجموعة من الدول، إلا أن هذا التوافق فشل في تطابقه مع مفهوم القومية العربية. فالوحدة الوطنية العربية، التي شملت أجمل صفات الانتماء والتعاضد والتقارب، وتميزت بولاء الإنسان لوطنه أو قبليته أو شعبه، سواء كان ذلك في العصور القديمة أو الحديثة، اختلفت جذريا مع مصالح القومية العربية، التي انطلقت بدوافع سياسية بحتة دون الأخذ بعناصر كيان الأمة وأراضيها، لينضوي تحت كنفها أكثر من دولة مستقلة، لكل منها وطنيتها الخاصة بها. وبناء عليه اجتمعت الوطنيات العربية القائمة تحت لواء القومية ولم تنصهر فيها، ما أدى إلى فشلها.

لذا أصبح مبدأ الوحدة الوطنية، المتمثل في القومية العربية، مجرد شعار عاطفي يهدف لتحقيق مصالح سياسية فردية وطموحات عقائدية طائفية، تسعى لتجييش عاطفة الشعوب وتعظيم معالم التطبيع وتخليد مبدأ المصلحة الوطنية على حساب المصالح الإقليمية. ولطالما انجرفت شعوب الأمة العربية وراء عاطفة وحدتها القومية، لتصبح اليوم أكثر تباعدا وتناثرا وتفككا، يفرقها اقتصادها المتناثر وتجارتها البينية المتهالكة.

ورغما عن تمتعها بالدين الواحد والمجتمع المتجانس واللغة الواحدة، وامتلاكها أكثر من ربع خيرات الأرض وثلث ثروات الطاقة، إلا أن تشتت مصالحها وتباعد أهدافها وترنح مشاريع وحدتها الاقتصادية وشراكاتها التجارية، أدت إلى انخفاض نسبة مساهمتها في التجارة العالمية عبر العقدين السابقين من 13% إلى 7%، وتراجع قيمة تدفق استثماراتها المباشرة إلى أقل من 4%، وتفاقم فاتورة وارداتها الزراعية خمسة أضعاف، وارتفاع حجم ديونها السيادية ستة أضعاف، إضافة إلى تفاقم نزعات شعوبها الطائفية والعنصرية.

وعلى عكس عالمنا العربي، لجأت الدول الأوروبية إلى تغليب مصالحها الإقليمية على وحدتها الوطنية، فأبدعت في تحقيق أهدافها ونجحت في دمج طوائفها وأصولها وفروعها وأجناسها تحت لواء مصالحها المشتركة. وأصبح الاتحاد الأوروبي مثلا يحتذى به في التلاحم والتعاضد والتكاتف، خاصة وأن شعوبه تعيش في 27 دولة منفصلة، وتتحدث بأكثر من 18 لغة، وتنتمي إلى 16 عرق متباعد و23 ديانة مختلفة. ومع ذلك أسست هذه الدول أفضل تحالف سياسي وأقوى شراكة تجارية واقتصادية، دون الانجراف وراء مبدأ الوحدة الوطنية أو شعارات القومية الأوروبية.

ولتحقيق نجاحاته استخدم الاتحاد الأوروبي أدواته السياسية من خلال قنوات الاتصال الحكومية والسياسية الفعالة والقادرة على ترسيخ الصلة بين المواطنين والدولة، وضمان تمثيل الأقليات القومية الإثنية المختلفة في مؤسساتها. كما استخدم أدواته الثقافية لإنشاء نظام موحد للقيم الإنسانية، دون التطرق إلى الأعراق والعشائر والطوائف، مما منح الفرد الأوروبي القدرة على التعايش والتسامح، وحقق دوره الإيجابي في تحقيق المصلحة الإقليمية. وهذا أدى إلى نجاح شراكاته الاقتصادية، وتحقيق طموحات شعبه من خلال المساواة بين أفراده، بغض النظر عن أصولهم السلالية وجذورهم العقائدية واعتباراتهم الطائفية أو أنظمتهم الاجتماعية.

كما كان للتعليم والتربية دور أساس في تحقيق الوحدة المشتركة بين شعوب الاتحاد الأوروبي من خلال تعريفهم بتاريخ بلادهم ونظامهم السياسي وحقوق إقليمهم وواجباتهم تجاه اتحادهم، فشاع الوعي بينهم ليجعل منهم جماعة تنتمي لوحدة إقليمية ثابتة، تتخطى الوحدات الوطنية الأخرى الصغيرة، المتمثلة في العائلة والقبيلة والقرية، ليحل ولاء الشعب الأوروبي للاتحاد محل ولائهم للوطنية أو القومية. وهذا أدى لزيادة تفاعل المصالح الاقتصادية المشتركة بين أفراد الشعب الأوروبي وترابط أهدافهم الموحدة لزيادة قوة وحدتهم الإقليمية، مما أدى لارتفاع حجم تجارتهم البينية 6 أضعاف ما كانت عليه قبل الاتحاد، وزيادة حصتهم في قيمة التجارة العالمية 4 أضعاف.

وكما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، كان بالإمكان جعل وحدتنا الإقليمية العربية نموذجا يحتذى به في قريتنا الكونية، خاصة وأننا نمتلك جميع مقومات الاتحاد من دين ومجتمع ولغة وتحديات موحدة. ولكن فشلنا في توحيد أهدافنا وتحديد مصالحنا ونبذ خلافاتنا، دفع مجتمعاتنا للاكتفاء بتطبيق مبدأ الوحدة الوطنية، التي تؤدي إلى انفصال كل دولة عن جسم الإقليم الواحد، وتبتعد كل البعد عن آمال الأمة الإقليمية، كي تزيد من تعميق خلافاتنا وتؤدي إلى إلغاء سبل الوفاق بين مجتمعاتنا والتنوع التاريخي والطبيعي والإقليمي والعقائدي بين شعوبنا العربية.