تأتي زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى المنطقة لتحريك عملية السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، وكأنها تنتمي إلى زمن ألف ليلة وليلة. وربما يعتقد البعض أن هذه الزيارة كأنها إحدى حلقات مسلسلات رمضان التاريخية. ونستطيع أن نتفهم عدم اهتمام عموم الناس بهذه الزيارة لأنهم يتابعون براميل النظام السوري التي بلغت في الأشهر الماضية أحد عشر ألف برميل، وما نتج عنها من قتل ودمار، وأيضا يتابعون معاناة اليمنيين الذين يفتقرون في هذا الشهر الفضيل إلى الماء والغذاء بسبب حصار الانقلابيين من أنصار صالح والحوثيين ومعهم إيران وحضارة الحقد والكراهية على العرب الجيران.

إن كل هذه المآسي والأهوال التي نشاهدها في العراق وسورية واليمن وليبيا، لا يجب أن تجعلنا نفقد البوصلة نحو الاتجاه الصحيح لصناعة الاستقرار المفقود منذ عقود طويلة، وهو من نتاج إسرائيل وعدوانها واحتلالها للأراضي الفلسطينية، ورفضها الدائم للسلام العادل وإنهاء الصراع، وذلك من خلال حل الدولتين على أساس القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية والإمعان بالتوسع والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، وبالذات في القدس الشريف الذي يتعرض إلى عملية تهويد ممنهجة.

إن كل أشكال النزاع التي نشهدها في المنطقة العربية هي تحديدا في الدول التي استضافت الكفاح الشعبي الفلسطيني المسلح. وهذه الدول هي على التوالي دول البعثَيْن في سورية والعراق اللتين استخدمتا هذه القضية على حساب العدالة الوطنية لشعوبهما، وأيضا اليمن الذي استضاف المسلحين الفلسطينيين بعد خروجهم من لبنان الذي استضافهم على مدى سنوات طوال وكانوا جزءا من أزمته التي أنتجت النزاع الأهلي المسلح الذي بدأ في لبنان ونشاهده الآن في أكثر من مكان.. ولا ننسى ليبيا واستخدامها المأساوي للقضية الفلسطينية من قبل القذافي وسياساته الهوائية المدمرة.

أردنا من هذا العرض المتواضع إعادة تنشيط الذاكرة حول القضية الفلسطينية التي ادعت إيران أنها حملت رايتها في السنوات الماضية، فحولتها من القضية المركزية والأولى إلى قضية هامشية أمام ما يحدث في سورية والعراق واليمن، وبإشراف إيراني مباشر وعلني، مما جعل الحديث عن القضية الفلسطينية مثل الحديث عن تغريبة بني هلال.. وهذا طبيعي بعد الأهوال التي وقعت في سورية والعراق منذ احتلال العراق حتى الآن، إذ أصبح اللاجئون العرب أكثر من نصف اللاجئين في العالم، وهذا ما جعل القضية الفلسطينية تتراجع مرتبتها كثيرا أمام القضايا الطارئة.

يأتي الوزير الفرنسي إلى المنطقة بعنوان واحد وهو تحريك عملية السلام وعودة المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل بإشراف دولي، وضمن جدول زمني محدد للمفاوضات، أي ما يشبه التفاوض بين إيران والخمسة زائد واحد، على أن يذهب مشروع التفاوض المقترح من فرنسا إلى مجلس الأمن ويصدر بقرار جديد يحدد مرجعيات التفاوض ومداه الزمني والغاية منه وهي حل الدولتين، مع الأخذ بنتائج المفاوضات السابقة ومعوقاتها وآفاقها، ومنها مسألة حدود الرابع من حزيران وإمكان تبادل الأراضي، وإلى ما هنالك من تفاصيل خرج بها المفاوضون من الرباعية إلى المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشل.

كانت المحطة الأولى للوزير الفرنسي في القاهرة مع وزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية، ثم الأردن، ثم رام الله والقدس. وبدا نتانياهو من البداية متحفظا على هذه الزيارة وبادر إلى الإعلان أن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يملي إرادته على إسرائيل، لأن الإسرائيليين يعرفون أن الفرنسي مكلف منذ العام الماضي من قبل الولايات المتحدة والروس والأوروبيين بتحريك عملية السلام في فلسطين. وقد تزامن ذلك مع موجة اعتراف البرلمانات الأوروبية بالدولة الفلسطينية. وذلك يعني تأييد الشعوب الأوروبية لقيام الدولة الفلسطينية، وترك الأمور اللوجستية والإجرائية للحكومات، في حين أنه في بعض الدول الأوروبية اعترفت برلماناتها وحكوماتها بالدولة الفلسطينية. وهذا ما أعلنه الوزير الفرنسي أنه في حال لم تتقدم المفاوضات خلال ستة عشر شهرا، فإن الحكومة الفرنسية ستعترف بالدولة الفلسطينية، وهذا ما أزعج نتانياهو.

كان لا بد من التوقف عند زيارة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إلى المنطقة لما لفرنسا من صداقات مع دول الاستقرار العربي الممثلة في مجلس التعاون الخليجي، والدور المميز لفرنسا بالتفاوض على النووي الإيراني، فهي الأكثر تشددا في ذلك، إضافة إلى موقفها من سورية ولبنان ومصر. وخلافا للعادة، فإن فرنسا الاشتراكية بقيادة هولاند تشبه إلى حد بعيد فرنسا ديجول مع العرب، مع العلم أن الاشتراكيين الفرنسيين تاريخيا كانوا أقرب إلى إسرائيل. وهذا ما يعدّ مفارقة الآن وما قد يكون له من تأثير على اليسار الإسرائيلي المؤيد لحل الدولتين في مواجهة اليمين الإسرائيلي المتمثل في حكومة نتانياهو.

مع اقتراب نهاية هذا الشهر وإمكانية توقيع الاتفاق بين إيران والخمسة زائد واحد حول النووي الإيراني، علينا أن نتوقع انهيارات عدة في أوراق التفاوض، ومنها الورقة السورية. وأيضا علينا أن نتوقع تحريك مسارات عدة، منها موضوع لبنان. وربما تذهب إسرائيل إلى مغامرات عسكرية تحرك هذه الدعوة إلى المؤتمر الدولي للسلام الذي تسعى إليه فرنسا في هذا الوقت بالذات. فهل تحرك الحرب عملية السلام؟