كثيرا ما يشار إلى الشعارات باعتبارها ظواهر سلبية، فيقال لغة شعارات، في إشارة إلى عدم وجود علاقة للشعار بالواقع. والأمر ليس كذلك في معظم الأحوال، فليست هناك حضارة تنشأ، أو حرب تشن، أو حتى مؤسسة تدشن، أو أنشطة اجتماعية تتشكل، إلا وتستخدم الشعار، في عملية الترويج أو التبشير بمشاريعها.
في العقود الخمسة المنصرمة من حياة وطننا العربي، عبرت الشعارات التي طرحت في الساحة، عن توجهات تلك المرحلة، وبعضها عبر عن توق للنهوض، فبعد الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال طرح شعار الاستقلال الوطني، وكان الشعار المدوي في أرض الكنانة "الاستقلال التام أو الموت الزؤام". ولم يكن شعار الاستقلال مختصا بنا وحدنا نحن العرب، بل صوتا مدويا في القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
لقد كانت معارك الاستقلال من أهم معالم القرن العشرين، حيث كانت القارات الثلاث تموج بحركات وطنية ترفع شعار الاستقلال، وتحمل على تحقيقه.
بعد الاستقلال، رفعت شعارات الحياد الإيجابي، والتنمية المستقلة، والوحدة العربية، وشهدت المنطقة العربية، اختلافات حول آلية تطبيقها، متأثرة إلى حد كبير بالمناخات الدولية، وباستعار الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
ولأننا لم نكن في وضع يسمح لنا بالتعبير المستقل عن إرادتنا، انقسمنا أفقيا ورأسيا إلى معسكرين، وبهذا الانقسام ضاعت آمالنا في العمل العربي المشترك والتنمية المستقلة، وطغى الشعار على الفعل، ولكن العيب لم يكن في الشعارات المطروحة، فهي في النهاية انعكاس لرغباتنا وتطلعاتنا، ولحالة الانقسام السياسي التي مرت بها الأمة.
وخلل الانقسام وتوابعه يعيدنا إلى الخلل الأساس، الخلل البنيوي، وهو خلل يفسر لنا مجمل ما نعانيه من مشاكل وأزمات، فما دامت المقدمات بائسة تكون النتائج كذلك، و"ما بني على باطل فهو باطل".
وعندما تكون المقدمات بائسة، لا يتيه فعل البوصلة، فتوضع العروبة في تقابل صارخ مع الإسلام. وقد وقع كثير منا أسرى لهذه الفرية، وغاب عن الوعي أن الإسلام نهض بالعرب، وأن العرب اكتشفوا ذاتهم بالإسلام، ولم يكن للعرب أن يبنوا حضارة خالدة من غير الرسالة العظيمة، التي انطلقت من بطحاء مكة، وانتقلت إلى حيث مشيئة الله.
خلاصة القول إن المحاكمة لا ينبغي أن توجه إلى الشعارات، فهي صدى لواقع ينبغي قراءته بدقة، ووضعه في سياق التطور التاريخي.
لكن المطلوب ليس التشرنق في الماضي، بل اعتباره جسرا للعبور نحو المستقبل، وذلك ما يتطلب حضور الفكر، باعتباره رافعة بناء المستقبل المنشود. لكن الفكر ليس حالة مجردة عن الواقع، فالبشر يتفاعلون إنسانيا مع ما يجري من تحولات كونية حولهم. بل إننا لن نجانب الصواب حين نقول إن معظم الأفكار التي عمت في الوطن العرب هي أفكار وافدة، جرى توطين بعضها وبقي البعض الآخر من غير توطين.
وقد أكدت التجربة التاريخية أن الأفكار الوافدة، مهما حملت من قيمة علمية، ومن مبادئ وأهداف نبيلة، لا تكون فاعلة ما لم يتم توطينها، وما دام التاريخ هو بوصلتنا، فإن الأفكار تاريخيا تتقدم على الواقع، لكنها ليست منعزلة عنه. يجري تشخيص الواقع، ويتوصل الباحث، في مدونات، إلى آليات لتجاوز أزماته. هذه المدونات هي ما تمثل الفكر السائد، لمرحلة ما.
على أن التشخيص لا يجري في فراغ، فلكي يكون فاعلا لا بد من استناده إلى رؤى وأفكار وفلسفات سابقة عليه، وهكذا يكون التطور الإنساني، نبني على ما هو قائم، ومن خلاله نستنبط أفكارا وآليات للعمل. وذلك هو بالدقة ما يعني التراكم في الأفكار وفي التجربة، وعلى هذا الأساس، فإن من الطبيعي أن يطور الفكر نفسه، ويواكب عصرا متقدما عليه.
وبالمثل بدأ الحديث يتعاظم، عن الأيديولوجيات، باعتبارها سبب الداء، فليس من مشكلة عربية أو دولية، إلا واعتبرت (الأيديولوجيا) سببا لها. وعندما كتب فوكوياما "نهاية التاريخ"، اعتبر ذلك بداية بزوغ مرحلة البراغماتية، وسيادة قانون المنفعة وإعلان موت الأيديولوجيات. لكن ذلك حمل الكثير من المغالطات، وتزييف الحقائق.
فليس هناك فكرة أو مشروع، عبر مسيرة التاريخ إلا وتقف خلفها أيديولوجيا. فهي كمفهوم، في أبسط تعريف لها، نظرة شاملة للكون، تمد بقواعد من السلوك. وهي على نقيض العلم، الذي مهمته الكشف عن حقائق جديدة، تساعد الإنسان على التكيف مع الطبيعة أو التغلب عليها، ليس هدفه التقييم.
ولن نجاوز الحقيقة، حين نؤكد أن كل الحضارات الإنسانية التي شيدت، منذ أقدم العصور يونانية ورومانية وبيزنطية دعمت بموقف أيديولوجي، والحضارة العربية الإسلامية وعلومها، لم تكن استثناء عن القاعدة.
أو لم يقل (الخوارزمي) إن ما دفعه لتأسيس علم الجبر هو مساعدة المسلمين على تطبيق علوم الشريعة فيما يتعلق بالمواريث؟ وقد شنت الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي تحت شعار إنقاذ القيم المسيحية.
المعضلة تكمن في التعصب العقائدي، وعدم الاستعداد لسماع الآخر، والتفاعل معه. لا يغيب التسامح وقبول الآخر (الأيديولوجيا) بل يشذبها ويهذبها.
لقد أدى التعصب الأيديولوجي "الدوغما"، في العقود الأخيرة، إلى بروز ظاهرة رفض الأيديولوجيا في المجتمعات العربية، لكن هذا الرفض إذا جرى تقعيده، ووضعت نظرية له، يصبح هو أيضا موقفا أيديولوجيا.
نحن بحاجة إلى رؤية شاملة، لا تتخذ موقفا متحيزا تجاه المفاهيم والمعتقدات والأفكار، ولن يتحقق ذلك إلا بالارتقاء بثقافتنا إلى حالة من الحب والتسامح وقبول الآخر، والتفاعل الخلاق مع كل ما هو إنساني، بعقل واع، وإذن صاغية وقلب مفتوح.