(وقفت وآلة الحلاقة بيديّ وعيناي مستقرتان عليها، مثل عصفور قابع في عشّه. تخيّلت آلة حلاقة جديدة بشفرات قابلة للتبديل فأصررت على البداية بالبحث). هذا ما كتبه (كينغ جيليت) مفجّر أهم ثورة في عالم الحلاقة، عن اللحظة الأولى التي بشرت بولادة اختراعه، والتي لاحظ فيها أن طرف آلة الحلاقة الخاصة به يستحيل استخدامه، إن لم يقم بشحذه عند الحلاق أو بائع السكاكين، لذلك شعر أن الأمر سيكون أذكى لو تمكّن من اختراع شفرات يسهل رميها بعد الاستخدام. ولكن رغم بساطة الفكرة إلا أنها لم تتحقق قبل مرور ستة أعوام. فقد أخبره كل صانعي الآلات الذين استشارهم أن من المستحيل صناعة شفرات فولاذية بسُمْك الورقة وبتكلفة قليلة، كما اقترح عليه مهندسو جامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا أن ينسى المشروع كليّا. إلى أن التقى بمهندس يدعى (ويليام نيكرسون) الذي عقد معه اتفاقا للتعاون في عام 1901.
ظهر مع حلول عام 1903 أول ثمار تعاونهما وكان عبارة عن رزمة تضمّ 51 آلة حلاقة مزودة بشفرات تستعمل لمرة واحدة. وقد راج منتجهما سريعا، ليس في أميركا فحسب، بل في العالم كلّه، لجدواه العملية وسهولة استخدامه.
مات جيليت مليونيرا جرّاء فكرة لمعت في ذهنه فلم يتركها تخمد قبل أن يحولها بجهده إلى شيء واقعي ملموس. يا لها من قصة ملهمة لخطباء التنمية البشرية، وكم هي مفيدة لهم في صياغة الجمل المحفزة للطاقات. ولكن ما لفتني شخصيا في هذه القصة أمر آخر، وهو تلك الدرجة من الطمأنينة والثقة التي تمتع بها جيليت كي يشرح فكرته لعدد كبير من الأشخاص بمن فيهم أناس على درجة من الخطورة تؤهلهم لابتلاع فكرته منفردين دون الحاجة إليه مرة أخرى.
يصعب على ذهني تصور حدوث مثل هذا في بلداننا، حيث لا يزال الموظف البسيط يخشى من سطو رئيسه المباشر على أتفه ما قد يقترحه من أفكار..
ما زال الكثير لدينا ينظر إلى ثقافة الحقوق الفكرية بشيء من الاستخفاف، ويرى في المطالبة بها شيئا من الترف دون أن يدري كم يكلفه موقفه هذا من نزيف لا يقدر بثمن.
ماذا لو عرف خبّاز بوجود مجموعة من اللصوص ينتظرونه بشكل يومي ليسطوا على ما يصنعه من خبز دون أن يحميه منهم أحد، هل من المتوقع أن يستمر في تخمير عجينه وصنع أرغفته؟ من غير المتوقع أن يفعل ذلك، مثله في هذا مثل سواه من أرباب الصناعات عند شعورهم بتهديد مماثل. إن تأثير لصوص الأفكار على حركة الإبداع والابتكار لا يختلف كثيرا عن تأثير لصوص الخبز. فكم من المبدعين من انكفأ على ما يتقّد في ذهنه من أفكار دون أن يجد الحافز في السعي إلى إخراجها إلى عالم الواقع، وكم من آخرين لم يجدوا محفّزا للتفكير نفسه في ظل أجواء غير آمنة من قطاع الطريق المترصدين لأي فكرة تائهة.
سر تقدم أي مجتمع لا بد أن يكون نابعا من ذاته، وأهم ما ينبغي ولادته من الداخل هو الأفكار الباحثة عن حلول مشكلاته والطامحة لتنميته في كل المجالات.
يصعب تفعيل مبدأ الحقوق الفكرية على الصعيد القانوني، ما لم تدعمه بشكل حقيقي ثقافة تعم كل مؤسسات المجتمع. لذلك ما زلت أشعر بالمرارة عندما أتذكر أن إحدى الجامعات استضافت شخصا أدين بحكم قضائي في قضية حقوق ملكية أحد الكتب، ليلقي محاضرة على طلابها ومنسوبيها. أتذكر أني تساءلت يومها، ألا يشعر من وجّه تلك الدعوة بالإحراج من أن تستضيف جامعته مُدانا بقضية كهذه في الوقت الذي قد تفصل فيه طالبا تسلل بقصاصة (برشام) إلى إحدى قاعات الامتحان؟!
لعل هذا ليس المثال الوحيد، على تطبيع انتهاك الحقوق الفكرية، وإلا لما شاع ما نسمعه عن قصص لطش ونهب تعرضت لها أفكار أشخاص قصرت حيلتهم عن استيفاء حقوقهم، بل إن بعضهم بلغت به ألفة الحال أن يتقبل الأمر مختارا بطريقة عجيبة. من أولئك صديقي الروائي الذي يزعم أن ما ورد من تقاطعات بين عمله وعمل آخر لروائيّ مشهور لا يمكن تفسيره بالصدفة والتوارد، ولكنه فضل مختارا عدم المضي في المطالبة بحقه!
ربما لن أبالغ لو توقعت أن أغلب قرّاء هذا المقال لا بد أن يحمل كل منهم في ذاكرته قصة فكرة تطوير إداري أو عمل إبداعي أو منتج تقني، سطا عليها قاطع طريق ما في ظل غياب قانوني وغفلة ثقافية. فهل أيضا سنستمر في تربية أطفالنا على تقبّل مثل هذا يا تُرى؟