في إحدى المناسبات العامة التي تجمع عادة كل فئات المجتمع، فاجأني أحدهم بحماسه الشديد وهو يتحدث عن الكتابة الإبداعية، وكيف أنه "سمع" ـ ولم يقرأ ـ بفلان، حتى إن اسم روائي شهير مثل عبده خال، ليس غريبا على أذنه، على الرغم من أنه لم ير صورته، ولم يمسك بيديه أي عمل لخال . المهم أنه ختم ديباجته" الثقافية" بأخذ رأيي في فكرة بدأت تراوده ( حتى في منامه)، وهي أنه يخطط لكتابة عمل روائي يرصد فيه سيرته"العطرة" و"نضاله" من مزرعة والده ـ صغيرا ـ إلى أن أصبح في كبره وجها اجتماعيا يشار له بالبنان ( طبعا على ذمته). عندها وجدت تفسيرا عمليا لأحد أهم الأمراض المزمنة، التي يعاني منها الجسد الثقافي، وهو ما يمكن أن نطلق عليه " الكتابة الإكسسوار"، حيث ابتليت ساحتنا الثقافية، بأجناس تعتقد أن استكمال الشخصية والوجاهة الاجتماعية لن يتم إلا عن طريق الدخول في دهاليز الأدب والثقافة، و" تعطير" السيرة الشخصية "النضالية" بمؤلف إبداعي أو على الأقل سيرة ذاتية، مع أن الكثير من هؤلاء المتسلقين على أكتاف الأدب، يفضلون الرواية من مبدأ "مع الخيل يا شقرا"، وللحاق
بوجهها الإعلامي قبل فوات الأوان، وتحول الموضة إلى الكتابة السينمائية مثلا، فمن يدري، قد تكون هي المستقبل ؟ .
أعتقد أن الظاهرة تحتاج إلى تقص إعلامي جاد، مدعوم بتحرك علمي من قبل النقاد الحقيقيين أو حتى ممن يمكن أن نطلق عليهم "نقاد الصحافة" الذين يعتمدون في كتاباتهم على رؤى انطباعية، فالمهم الإشارة إلى هؤلاء الدخلاء وكشف حقيقة إنتاجهم، حتى لا يحسب هذا الإنتاج في يوم ما على الحركة الثقافية في المملكة، خصوصا أن مثل هؤلاء نشطون جدا في الترويج لأنفسهم خارجيا من خلال التواصل مع "نقاد الدولار" الذين يصنفون أصحاب هذه الكتابات المهترئة، حسب المبلغ المودع في حساب "الناقد الدولاري" فكلما ارتفعت نسبة الدولارات، ارتفع التصنيف حتى يمكن أن يُرشح " الناقد"،العمل المنقود لجائزة نوبل للآداب بجرة قلم، تحت مبرر "عمق المعاناة الإنسانية التي يصورها هذا العمل المذهل".
كل ذلك سيرا على خطى (الشاعر/ التاجر) الذي ملأ الأرض ضجيجا بدواوينه التي أغنت الكثير من فئة "النقد الدولاري" عن التكسب من غيره، فأصبحوا متعهدين " حصريين" له، يسهرون الليالي الطوال في تأليف الكتب من أجل عيون دولاراته.