تساؤل صادم لكنه مشروع في هذا الوقت تحديدا، فبعد عام على ولادة ما بات يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية، نشهد يوما بعد يوم تجسيد الوسم الإلكتروني الذي أطلقه عناصر التنظيم والمتعاطفون معهم على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان # داعش_باقية_ وتتمدد؛ واقعا حيا على الأرض، وسط حالة من الصمت والتجاهل الدولي.
ففي يوم واحد فقط ضرب التنظيم بعرض الحائط كل الحدود القائمة بين الدول، منفذا ثلاث عمليات إرهابية في الكويت وتونس وفرنسا، لتفوح رائحة الدم من الشرق إلى الغرب دون أن تستثني مذهبا أو طائفة.
رائحة الدم تلك تحمل بين طياتها رسائل عدة حاول التنظيم إيصالها عبر سعاة بريده من السفاحين متعددي الجنسيات حول العالم، وسنحاول فك بعض طلاسمها فيما يلي:
أولا: بعد أيام فقط على قيام تنظيم الدولة الإسلامية على سك عملته الذهبية التي اختار لها خلفية تحمل خارطة العالم، ها هو يقوم بتبني ثلاث عمليات متزامنة في كل من آسيا وأفريقيا وأوروبا ليثبت للجميع أنه تنظيم عابر للقارات وله أتباع قادرون على تنفيذ أجنداته الإرهابية في أي مكان وأي ساعة شاء، وأن اختياره -إذن- للرموز والإشارات ليس عبثيا.
ثانيا: أراد التنظيم أن يؤكد لكل من يشكك في تهديداته أنه ليس ظاهرة صوتية كما يعتقد البعض، وأنه قادر على تنفيذ تلك التهديدات وبشكل أسرع مما يتوقعه الكثيرون، فلا ننسى مثلا أن المتحدث باسم التنظيم "أبو محمد العدناني" أعلن قبل أيام فقط تحويل شهر رمضان من شهر عبادة وتقرب إلى الله إلى شهر "جهاد ضد الكافرين"، لكنها تهديدات قوبلت كالعادة بالتجاهل ولم تأخذها الأطراف المعنية على محمل الجد.
ثالثا: أين هي ضربات التحالف ضد "داعش"؟ أين الجهود الدولية لتجفيف منابع التنظيم؟ ألم يكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي -اتفقنا أو اختلفنا مع سياسته- محقا عندما اتهم خلال زيارته الأخيرة إلى باريس المجتمع الدولي بالتخاذل في محاربة التنظيم؟ قد لا أذهب شخصيا إلى نظرية المؤامرة واعتبار تنظيم الدولة الإسلامية سليل أجهزة استخبارات دولية ويتلقى الدعم منها، لكنني أميل أكثر إلى فرضية التواطؤ، وهي القائمة على أساس غض الطرف عن ممارسات التنظيم وتعبيد الطرق أمامه، طالما أنه يحقق مصالح دول وكيانات في المنطقة، فالمصلحة تبقى واحدة حتى لو اختلفت الأهداف، وهذه هي إحدى رسائل التنظيم.
رابعا: رسالة محددة وواضحة مفادها بأن أبناءنا هم أدوات هذه الحرب العبثية، فمنذ أن بدأ التنظيم تنفيذ عملياته الإرهابية خارج حدود سورية والعراق، وهو يستخدم أبناء البلد المستهدف، لأنه لم ولن يحتاج يوما إلى تسلل عناصر أجنبية للقيام بمهامه، طالما أنه قد وجد في كل مكان حاضنة له، وشبابا غسلت عقولهم وتحجرت أفئدتهم حتى اختار بعضهم الانخراط في صفوفه وتنفيذ أجنداته داخل أوطانهم، وفضل بعضهم الآخر التعاطف وتبرير ممارساته الوحشية، وهما دوران لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر.
الرسالة الأخيرة: والأهم برأيي هي أن التنظيم لم ولن يكتفي بمساحة الأراضي التي يسيطر عليها الآن، وأنه سيسعى إلى التمدد شرقا وغربا، وفقا لنظرية التواطؤ التي تحدثنا عنها قبل قليل، ولن نستغرب يوما ما فيما لو حصل على الاعتراف به كدولة ذات كيان في إطار خطة التقسيم المعدة للمنطقة التي وصلت إلى مراحلها الأخيرة كما تشير أغلب التقارير الاستخباراتية، لا سيما في مناطق النزاع كالعراق وسورية، وهو -إذن- ما يبرر التساؤل في مطلع هذا المقال، حول ما إذا كانت "داعش" فعلا باقية وتتمدد.