عندما أنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قبل نحو 4 سنوات ونصف، أُريد لها أن تكون قوية من بدايتها، فربطت مباشرة بالملك، ومنحت الصلاحيات كافة لتشمل مهامها جميع القطاعات الحكومية، لا يُستثنى من ذلك كائن من كان، كما عين على رأسها رئيس متفرغ بمرتبة وزير.

بهذه المزايا لا أعتقد أن جهازا رقابيا يحظى بمثل ما حظيت به "نزاهة".

لكن التقرير السنوي الأخير للهيئة، كشف عن ازدياد أعداد الجهات غير المتعاونة معها، إذ ارتفع العدد من 9 في العام المالي السابق إلى 16 وزارة ورئاسة مؤخرا. ولو استمر الأمر بهذا التزايد المضطرد، ستكتب "نزاهة" في تقريرها القادم أن جميع أجهزة الدولة لم تتعاون معها!

هناك تفسيران لارتفاع عدد الدوائر الحكومية غير المتعاونة مع هيئة مكافحة الفساد، وأظن أن كلاهما منطقيين وقابلين للأخذ بهما.

فالتفسير الأول يقول، إن "نزاهة" زاهدة في استخدام ما في حوزتها من صلاحياتها، وهذا ما أفقدها الهيبة وجعلها تبدو وكأنها ضعيفة أمام الجهات الأخرى. وأذكر قبل عدة أسابيع أن مجلس الشورى رفض مقترح تشريع جديد لنظام هيئة مكافحة الفساد، مؤكدا أن الخلل ليس في الأنظمة ذاتها، بل في تراخي تنفيذها.

أما التفسير الآخر فهو، أن هناك من يأخذ بـ"تطنيش" هيئة مكافحة الفساد من قناعة أنها لا تقوم بواجباتها كما ينبغي، وبالتالي لا طائل من التعاون معها. ففي تقرير للجنة حقوق الإنسان والهيئات الرقابية بمجلس الشورى، أكد تراجع "نزاهة" في تأدية اختصاصاتها ومهامها المتعلقة بمكافحة الفساد، كما بين التقرير الذي نشرته "الرياض" قبل أسبوع، وسيناقشه المجلس في شهر ذي القعدة المقبل، أن هيئة مكافحة الفساد تتأخر في متابعة استرداد الأموال والعائدات الناتجة عن جرائم الفساد.

لن ينهض بـ"نزاهة" إلا نفسها، من خلال القيام بواجباتها ودون استثناء أحد، متسلحة بالصلاحيات التي لديها، فلا يمكن منحها أكثر من ذلك، لأنها بكل بساطة أعطيت كل شيء.