يبقى المتلقي المسرحي هو الفيصل في استقبال عناصر التأثير في الفعل المسرحي المشاهد، وعليه يعوّل في الحكم بنفاذية المعطيات والمضامين والحمولات التي يحتفي بها النص والعرض معا، كما أن مؤشر قوة العمل برمته –في جوهره- منبثق مما وصل إلى ذاكم المتلقي باعتبار رأيه وردود أفعاله، وتعبيراته الآنية أو المنتظرة. غير أن الوصول إلى منطقة التأثير تلك دونها أيام وشهور وقد تصل إلى عام كامل، في سبيل الإعداد والتجهيز على مستويات عدة كلها متعلق بالعناصر الفنية للعمل المسرحي كما هو معلوم عند المشتغلين به، والمهتمين بدرسه ونقده.
واحد من أهم العناصر الجوهرية بل المقومات الركيزة هو الممثل/المؤدي، فإعداده محتاج إلى مراحل متدرجة من التدريبات –مهما كان محترفا- لأن الأمر لا يتعلق بقدراته الخاصة أو مهاراته المكنونة فحسب، وإنما بمستوى إدراكه للنص الجديد وما شيّد عليه من أسس وتفاصيل، وما ينبغي له أن يوصله من رسائل ودلالات، ما يعني الارتكان كذلك إلى وعي وثقافة المؤدي ومدى متابعته للمستجدات من حوله؛ حتى لا يبقى في "مربع الموهبة" فحسب دون تطوير الأدوات ومواكبة القيم الفنية والجمالية المتوالية.
الممثل ليس جسدا فحسب، هو منظومة من التفاعلات العقلية والنفسية والاجتماعية، بلهَ القدرات الأدائية، والاستعداد للتماهي مع معطيات النص والرؤية الإخراجية المتصوّرة، إضافة إلى نبوءات صدى العمل في مجتمع المشاهدة، وبسبب ذلك كله فإن أدوارا كبرى تقف أمام مخرج العمل المسرحي في تهيئة الممثل/ المؤدي ليتشرب مكنونات الطقس المسرحي، وينطلق بعدها معبرا ومجسدا ومنهمكا في الدور الأهم داخل علبة العرض.
وللوصول إلى هذه النتيجة، يعمد المخرجون إلى معاونة الممثلين على الولوج إلى حالة التقمص القصوى، وهو أمر ليس من السهولة بمكان، إذ إن محاولات "عتق/ انعتاق" الممثل عما يحيط به، بل عن حياته وصفاته ورؤاه الخاصة هي في خصوصيتها أشبه ما تكون بإعادة صياغة جديدة، أو تركيب مغاير لما كان عليه، حتى يبدو مثل "ذاكرة فارغة" مستعدة للتعبئة من جديد، وللتقريب يمكن تسمية هذه المرحلة الخطيرة بـ"إعادة التهيئة" كما هو موجود في الأجهزة الإلكترونية التي ما إن تتهيأ حتى يتم ملؤها بالبرامج الحديثة القابلة للتعاطي مع الراهن الحضاري.
وحتى أقرّب الأمر سأضرب مثالا بالممثل الكبير ذي التجربة الممتدة يحيى الفخراني، أو بالمدرسة المسرحية المتمثلة في الفنان محمد صبحي، حيث يبذلان جهودا مضنية في التدريبات –على الرغم من اتساع تجربتهما وخبراتهما- للولوج إلى حالة التماهي المنشودة، والتي يفتقر إليها معظم من حواهم المشهد الفني السعودي والخليجي حاليا مع الأسف.