سهرت معه ذات مساء فندقي في جدة، بصحبة صديقي الحميم "ناصر الشهري" مدير تحرير صحيفة "البلاد"، كان عبدالواحد هادئا إلا من السخرية المرة واللاذعة، ومستكينا إلا من ضحكته المضرجة بالحسرة علي نهارات الأيام الذاهبة، رغم دبيب العمر والسنوات لم يقع الرجل فريسة لليأس واضطراب الدواخل، مازال شاهقا كأعناق الفوارس في ليل الصحراء، ومقاتلا كقراصنة البحر الأشداء، دعوت في هذه الزاوية خصومه التاريخيين لكي ينالوا من الرجل ويجهزوا عليه، بعد أن أبصرته يتوكأ علي عصاه، وأحسست أن النمر التهامي قد هدأ، وفضل الاستئناس للواقع حين اختلط الرماد بالرماد، كلمني بعد نشر المقال ودلق في أذني ضحكاته الماكرة، وطفح لسانه بالبراكين الموارة، وقال: "لقد حاربت كل جمجمة فارغة ولسان مهادن"، لقد كان محمد واحدا من الرافعات التي انسربت من خلالها بواعث التجديد وشعلة التحديث في لغة الصحافة اليومية، كان يغذي خطابه الفاره بمفردة تنتمي لأفق آخر ومغاير، وتجربة متوثبة وفق معطي معرفي غير مسبوق إلا للقلة والندرة، عبدالواحد اختار بياض الورقة وارتياد الطرق الوعرة والصراع المتوتر ومقاومة الأقنعة، أسلوبه وتراسله الكتابي شديد الوضوح شديد التميز، يعتمد علي النبرة الصافية وينفر من اللغة الملساء واللغة العاقر، عبدالواحد تجربة تاريخية تنحاز للإدهاش من خلال لغته المضفورة والمتماسكة والمتطورة والتي يندر أن تجدها في كثير من كتاب تلك المرحلة، فتوظيفاته تعتصر اللغة السلسة والعذبة ذات الإيقاع المتنامي فكأنك تلمسها بيديك، يطربك عندما يتطارح مع القارئ مقاطع الوجد والبوح وأسفار الوطن وهموم الناس، يصرخ كالوحش المصفد عندما تقفز فوق تجربته الثرية، وتتجاهل حضوره الغني ونجوميته كاتبا ومناقشا ومشاكسا، كانت "صفحته السابعة" في عكاظ قبل نصف قرن وصفحة نهر البنفسج وسيد الوجدانيات "عبدالله الجفري" أجمل صفحتين في مشهدنا الثقافي، بل هما الإرهاص الحقيقي ولحظة الانبثاق ونبض الروح الجديدة في لغتنا الصحفية كما أعتقد، عبدالواحد كاتب مقالة من طراز خاص، يأخذك ما بين اللغة الإيحائية والجمالية حتي وهو يرصد عقم الواقع وقبحه، أجيال اللحظة المعاصرة لا تعرف (محمد عبدالواحد) ذلك الحارق الصاعق الخارج من عجين النار، ولذا سوف تسأل عنه كثيرا يقول الكاتب المشاغب (ثامر الميمان): "الآن انضم محمد عبدالواحد إلي قافلة الراحلين الكبار، فقدنا تجاوزاته وفقدنا ابتساماته، هو رجل تتوفر فيه كل سمات الرجولة، والذين يأخذون عليه تطاوله في لسانه لا يعرفون عبدالواحد ولا يعرفون طموحاته الكبيرة من أجل الوطن، لقد ترك لنا عبدالواحد وجها جميلا يذكرنا بالكبار فقط، كان شجاعا في الحق وكان رفيق رحلتي، كنت أحدثه فتدمع عيناه من أجل امرأة مسكينة أو رجل مظلوم"، أشهر زوايا عبدالواحد في الصحافة زاويته "نص لسان"، وكنت أقول له: "كيف لو كتبت بلسانك كاملا؟"، عليه رحمة الله التي وسعت كل شيء.