عندما رحل الخيّران الأميران سلطان بن عبدالعزيز ونايف بن عبدالعزيز آل سعود، يرحمهما الله، كانت منارات الأرض تُحْدثُ إشعاعا منذ رحيلهما وحتى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بإذن الله، وذلك أنهما ورثا العلم بإقامة مسابقات قرآنية ونبوية داخليا وخارجيا، ما يؤكد استمرار عمل ابن آدم بعد موته كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... وجاء من بينهْا أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له". وكلا الأمرين متحقق في المجالات الخيرية والمسابقات الدينية التي يرعها أبناء سلطان وأبناء نايف في كل صقع من أصقاع المعمورة. وهذا بلا شك امتداد للسيرة النيَّرة والخالدة التي قدمّاها طيلة حياتهما "رحمهما الله".

وبالأمس القريب اختتمت مسابقة الأمير سلطان القرآنية في أقصى الشرق من الكرة الأرضية بحضور عدد كبير من العلماء وحفاظ القرآن وُوّزعت جوائز ترصد من نفقة سلطان الَوقْفية -رحمه الله- التي حرص أبناؤه وبناتهُ على استمرارها لتكون أحد المنابر التعليمية لأبناء المسلمين في العالم، ولقد تحدثت أوساط الجمعيات الدينية عن هذه التظاهرة القرآنية التي يحلو للمسلم أن يدعو لصاحبها الراحل بالمغفرة والرضوان، وأن يستمر عطاؤها.. فلقد رأينا خرّيجْيها يؤَمّوَنُ المصلين في صلاة التراويح في كثير من بلاد العالم، ومناطق الأقليات، فرحم الله سلطَان بن عبدالعزيز الذي رفع الله ذكره بهذه الأعمال الجليلة.

والصورة الثانية ذلك المشهد الرائع في أروقة المدينة المنورة حينما رعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أعمال جائزة نايف العالمية للسنة النبوية ليتواصل هذا العطاء الديني والإشعاع النبوي من طيبة الطيبة، إذ كان حضورا لافتا من أقطار العالم الإسلامي كافة، حيث كرّمهم خادم الحرمين الشريفين، ونال المتفوقون في حفظ سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بجوار مسجده -عليه الصلاة والسلام- شرفا عظيما، ولقد عشت شخصيا مع هذه الجائزة طيلة بنائها، ومعرفة أفرعها وزمالة أمينها، وحرصه على إنجاحها لتكون بهذا المستوى المشرّف الذي خرجت به إلى العالم عبر الفضائيات المتخصصة والداعمة لهذا العمل الإسلامي الكبير، ولقد حرصت إدارة الجائزة أن تكون فرصة الزمان والمكان ساعدا لإنجاح أعمالها الذي سعدت به مع المدعوين كافة.

إن رعاية خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- لهذه الدورة كان دليل وفاء متجذر في أعمال "سلمان العلم" الذي يحرص على دعم العلماء والمتسابقين على مختلف أفرع الجائزة، ويحرص -رعاه الله- أن يكون في هذا الوقت بالذات من كل عام بين أهالي المدينة المنورة، وعلى مقربة من مشاريع المدينة المنورة ليتأكد للقاصي قبل الداني العناية الملكية بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهلها ومشاريعها وجامعتها وجوائزها دلالة على الاهتمام من أعلى مستوى في هذه البلاد بالإسلام والمسلمين وزوار مسجد رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإيمانا منه -وفقه الله- برابطة الأخوّة التي تنبع من الوفاء لأخيه سمو الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود، يرحمه الله، وهو معدن هذا الملك الصالح كيف وهو يدعم ويشُجّع -بدوره- تعليم القرآن وأهله وطلابه من خلال جائزة الملك سلمان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن وتجويده التي يُنفق عليها -حفظه الله- لتكون إحدى منارات العلم الذي يمكث في الأرض لينفع الناس؟

جمع الله شمل هذه الأسرة المباركة ونفع بها الإسلام والمسلمين على مر العصور وتحية تقدير لأبناء سلطان ونايف استمرار هذا الغيث القرآني والسيرة النبوية؛ لتكون نافعة للأمة الإسلامية ووفق الله (سلمان) الملك الذي جعل هاجسه دعم المشاريع المباركة على مختلف تنوعها.