لا جدال في أنّ البطالة اليوم أصبحت في مجتمعنا السعودي- ومع تزايد النمو- واحدة من أهم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وأضحت تحدياً كبيراً جديراً بالمواجهة نظراً لما يترتب عليها من مشاكل آنية ومستقبلية، وهذا ما عناه وقصده صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية حينما صرّح قائلاً: "ينبغي ألا يكون في المملكة عاطل ولا فقير" (الوطن – الاثنين 27 /9 /2010). ولنداء سموه وأمله في ألا يكون هناك سعودي عاطل عن العمل أو فقير معطيات أملَت على سموه هذه الرؤية، وذلك لأن المملكة بلد ذو موارد متنوعة وغنية، ولديه قاعدة سكانية أغلبها من الشباب وقطاع خاص ناضج وواعد.
وكأحد المهتمين في مجال العمل، فإني سأطرح رأيي حيال ما يتعلق بمشكلة البطالة وكيفية الخلاص منها وإيجاد الحلول لمواجهة هذا التحدي الكبير.
إن البطالة في مفهومها الأدنى تعني وجود مؤهلين للعمل مع عدم توافر وظائف لهم، الأمر الذي تسبّب في بطالتهم، وفي منظوري فإن المملكة وفق هذا التعريف المختصر للبطالة لاتعاني حقيقةً من مشكلة البطالة! فلدينا وفق الإحصائيات التقديرية حوالي ثمانية ملايين ضيف أجنبي يعملون في كافة التخصصات والمجالات من أدنى الوظائف أجوراً إلى أعلاها دخلاً، وبالمقابل لدينا حوالي المليون من الشباب والفتيات ممن يمكن أن يُقال عنهم عاطلون عن العمل، وذلك نظراً لعدم تمكنهم من الحصول على وظائف في القطاع الخاص، وهؤلاء يمكن إحلالهم في جزء من الثمانية ملايين وظيفة المشغولة بمتعاقدين، إذا تمت إعادة تأهيلهم بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل، حيث إن المشكلة ليست مشكلة بطالة وليست مشكلة وجود عامل أو موظف أجنبي، المشكلة تنحصر بنظري في عدم تأهيل الشاب السعودي، التأهيل المناسب لشغل وظائف القطاع الخاص في مختلف مستوياتها، والدليل على ذلك أن الشباب السعودي المؤهل، من خريجي بعض الجامعات والمعاهد التي تُعنى بمتطلبات السوق وتنمي ثقافة العمل والإنتاج مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ومعهد الإدارة العامة وبعض الكليات المتوسطة المتخصصة لا تجد بينهم من هو عاطل عن العمل، بل إنهم يحظون بأفضلية لدى كثير من الشركات، إذاً المسألة تكمن في التأهيل. فالتأهيل ليس مسؤولية القطاع الخاص، بل مسؤولية الجامعات والمعاهد الفنية والتدريبية، وعلى القطاع الخاص توظيف المؤهلين وصقل مواهبهم.
أعتقد أن مواجهة مشكلة البطالة تحتاج إلى أن نتعامل معها بواقعية بحيث نسعى لإحلال العاطلين في الوقت الذي لا يكون معه أيُّ تأثير على سير ونمو القطاع الخاص وأن نستفيد من أخطائنا، خاصةً عندما حاولت وزارة العمل أن تحل المشكلة بالفرض وبطرق عشوائية غير مدروسة، أدت بالتالي إلى فشل مشروعها في الإحلال والقضاء على البطالة، كما كان له أثره السلبي على أداء الشركات وقطاع الأعمال، ونظراً لحاجة القطاع الخاص وعدم مواكبة نظام وزارة العمل لاحتياجاته، فقد خُلقت منطقة رمادية تمثلت في تجارة التأشيرات، ولكي يتم تحقيق هذه المعادلة الصعبة في إحلال الشباب مع عدم التأثير على نمو القطاع الخاص، فإن ذلك يتطلب إيجاد قاعدة معلومات حقيقية ومفصلة ومتكاملة عن الوظائف المشغولة في القطاع الخاص بمواصفاتها ومسمياتها ومتوسط رواتبها لدى كل شركة، ومن هذه القاعدة المعلوماتية يتم الانطلاق نحو إعادة تأهيل وتدريب العاطلين بما يناسب قدراتهم ويتوافق وسوق العمل.
كذلك يجب إعادة النظر والتقييم لبرامج التعليم في الجامعات والكليات المتوسطة والمعاهد وتكييفها ودعم التخصصات بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل.
من الضروري أن تقضي وزارة العمل على المنطقة الرمادية التي حدثت بينها وقطاع الأعمال، وذلك بأن تعمل بموجب "قاعدة المعلومات" وتعطي كل شركة حاجتها من الاستقدام وتفرض رسما يوازن بين راتب السعودي والمتعاقد في الوظائف التي يوجد لها سعوديون مؤهلون تأهيلاً حقيقياً لشغلها، على أن يوجه عائد الرسوم لتدريب السعوديين. وبذلك نكون قد حققنا معادلة التوازن بين متطلبات وحاجات قطاع الأعمال وبين تأهيل العاطلين وإحلالهم.
كذلك من المهم القول -أثناء حديثنا عن البطالة وعن المتعاقدين الأجانب- أن الأجانب شاركونا في دعم التنمية وفي مسيرتنا الاقتصادية وكان لهم دورهم المشهود، لذلك فلا ينبغي أن يوضعوا جميعهم في خانة المتهم والجاني، بل لا بد من أن نفرق بين من يُفيد البلد ويستفيد وبين من وجوده ليس له أهمية أو ضرورة، بل يُشكل وجوده عبئاً كبيراً.