جاءت الأخبار بإخفاق فريق وزارة التربية والتعليم المشارك في أولمبياد الحاسب الآلي المقام في كندا، الشهر الماضي، إذ لم يتمكن من الحصول على أي ميدالية من بين أربع وثمانين دولة .. وتشير المعلومات إلى أن نتائج الفريق المشارك في أولمبياد الرياضيات لم تكن بالشيء المفرح فقد حلت المملكة في المرتبة 67 من بين أكثر من تسعين دولة مشاركة..
وقبل الحديث عن "دلالات" نتائج الفريق الوطني في أولمبياد الحاسوب، نذكر شبابنا، المشغولين بأولمبياد الرياضات باستثناء الجاد منها، أن أولمبياد الرياضيات مسابقة دولية لطلاب المراحل ما قبل الجامعة، انعقدت أولى دوراتها عام 1959 في رومانيا وما زالت مستمرة، ولكل دولة الحق في أن ترسل فريقا لا يزيد عن ستة طلاب مع الطاقم المصاحب. وتختلف طرق اختيار الطلاب المشاركين من بلد إلى آخر من حيث مستوى اختبارات المادة العلمية المؤهلة ومن حيث الإشراف والتدريب، فالصين، مثلا، تعد برنامجا بالغ الصعوبة لمشاركيها وتدخلهم معسكرا لمدة أسبوعين في حين نجد الولايات المتحدة الأمريكية تعد سلسلة من المسابقات الفردية للمشاركين المحتملين وتنظم معسكرا للمختارين وتعين لكل مشترك مدربين حاصلين على الدكتوراة في الرياضيات.
رئيس وفد المملكة لأولمبياد الحاسوب قال: إن هذه النتائج كانت "متوقعة جداً جداً" لأن الفريق لم يتدرب إلا فترة قصيرة (عشرين يوماً) خاصة أن هذه أولى مشاركاته. وإن المشاركة مهمة من أجل "الإحتكاك"! مع أن المعلومات تقول إن استعداد الوزارة لهذه المسابقة بدأ منذ ما يقرب العامين بإشراف خبرات أجنبية ومشاركة ثلاث جامعات وطنية إلى جانب مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ومؤسسة "موهبة" ومركز قياس. والذي يمكن استنتاجه من هذا الكلام أن علاقة طلابنا ومقدار معرفتهم بالحاسب الآلي هي علاقة "موسمية" وأن المشاركة ليس هدفها قياس تطور برامج تعليمنا ومدى صلتها بعلوم الحاسب الآلي الذي بات العمود الفقري لأي تقدم حقيقي في التطبيقات العلمية. ولعل مطالبة رئيس الوفد بأن تهتم الوزارة بالفريق المشارك وتصمم له برنامج تدريب خاصا وإعطاء المشاركين فترة كافية لاستيعابه والتمرس عليه تؤكد أن أي نتائج يحققها الفريق المشارك – مهما كانت أهميتها وتقدمها – لا تدل على حقيقة مستوى طلابنا في معرفتهم بالرياضيات وعلوم الحاسب الآلي بل أخشى أن تكون النتائج المتحققة مضللة وتوهم المسؤولين عن التخطيط التعليمي بأن الأوضاع تسير في اتجاهها المطلوب.
طبعا ليس الهدف من هذه السطور لوم أعضاء الوفد المشاركين على إخفاقهم وعدم تحقيقهم لأي مركز بين المتسابقين بل لعل شكرهم في هذا المقام أوجب وأصلح لأنهم يكشفون الحقائق ولا يدلسون على واقع تعليم يظنه البعض جيداً وهو إلى الضعف والتراجع أقرب منه إلى التقدم.. ومع الشكر – المبرر – لأعضاء الفريق على كشف مستوى تدريس الحاسب في تعليمنا تبرز علامات استفهام بعدد رؤوس الذين لم يشاركوا في أولمبياد الرياضيات والحاسب وتطرح أسئلة من نوع: هل برامج الحاسب الآلي في مدارسنا تتناسب مع التوجه المعلن الذي يرفع لافتة اللحاق بركب التقدم والمنافسة في أسواق اقتصاد المعرفة؟ وهل مستوى تأثيرها على مهارات الطلاب يمكنه أن يحقق الخطة المعلنة لتطوير التعليم ونقل مناهجنا وطلابنا إلى مسرح العصر بكل متطلباته؟ وهل في مدارسنا من التجهيزات والمعامل ما يجعل مادة الحاسب الآلي تؤتي ثمارها أم أن صلة غالبية الطلاب بهذا العلم لا تتجاوز الصور في الكتب والشرح النظري الذي لا يتيح الاقتراب من متطلبات هذا العلم على المستوى التطبيقي والذي بدونه يظل معلومات مجردة تضاف إلى "كم" الحفظ المثقلة به خزائن الذاكرة حتى أصبح عبئاً كئيبا على ملكات الفهم ومعطلا لمهارات التحليل وقدرات التعليل؟.
للأسف ليس لدينا إحصاءات وأرقام عن تجهيزات معامل الحاسب الآلي في المدارس الحكومية وعن مدى تدريب الأساتذة على استخدام المتوفر من الأجهزة والبرامج، ولهذا يصبح الحديث في هذا المجال ضربا من التخمين رغم أهمية الموضوع واتصاله بحياة الناس وتأثيره على الحاضر والمستقبل .. والمعلومات المتداولة يشوبها الكثير من الاضطراب، لكن القدر المتيقن أن مخرجات المدارس الحكومية في مادة الحاسب الآلي تشير إلى نقص في المتوفر أو خلل في الاستفادة منه، ويمكن أن يستنتج الإنسان ذلك بالنظر إلى الفروق الواضحة بين طلاب المدارس الحكومية في الأطراف والقرى وبعض المناطق وبين طلاب المدارس الخاصة المتطورة أو بعض المدارس الحكومية في المدن الكبرى التي تحظى بالعناية الخاصة..
نعود لقضية "الاحتكاك" التي رآها رئيس وفد أولمبياد الحاسب هدفا يستحق أن نسعى إليه ( بالمناسبة الاحتكاك لفظة مستهلكة صاحبت شغفنا بكرة القدم وابتلعت المليارات ولكننا ما زلنا "نحتك") ونسأل: ماذا يعني الاحتكاك المقصود؟ هل يعني أن مشاركة أربعة طلاب لمدة أسبوع في مسابقة – تم إعدادها بصورة خاصة – سيكون كافياً لقياس مستوى صلة طلابنا بعلوم الحاسب الآلي؟ .. وهل اهتمامنا بنتائج أربعة طلاب في مسابقة دولية، بعد أن صمم لهم برنامج خاص لغرض حصولهم على ميداليات، يعد هدفاً تربوياً ومعرفياً يستحق الاهتمام به حتى وإن حققوا أعلى المراتب؟ .. يخشى البعض، وله الحق، أن يكون الهدف هو نشر أخبار تلك "الإنجازات" والإشادة بها وليس الهدف السامي الذي يستحق أن يحتفي به الوطن وهو أن تكون النتائج المحققة معبرة عن صورة حقيقية واقعية عن مستوى معرفة غالبية طلابنا بعلوم الحاسب الآلي، مع تقدير الظروف الشخصية التي هي من طبيعة البشر؟.
نرجو ألا يصبح اهتمام مؤسسات المجتمع منصباً على ما "يلمع" صورتها ويحول مسار مسؤوليتها من بناء إنجازاتها على قاعدة صلبة في مجال تحقيقها إلى الشغف بالمظاهر التي لا يقف ضررها على هدر المال بل يتمدد إلى نشر مفاهيم "الزيف" في ضمائر وعقول الأجيال حين ترى المجتمع يحتفي بالمظاهر. المجتمع يشتكي من ميل العامة إلى التعلق بالقشور والجري خلف المظاهر الخادعة والعناية بالسطحي من الاهتمامات فإذا تسربت هذه العقلية إلى مراكز العلم فإن الكارثة ستكون مدوية، فالناس تنظر لهذه المؤسسات على أنها القدوة وأنها الأمل الذي بقوته تستقيم الأحوال وبنزاهته تصفو الضمائر وتحيا.