من أجل مسلسل (سيلفي) غضب عدد من الشباب المتدينين معترضين على مشاهده التي تستهدف نقد الاستغلال الديني للناس وهو يستهدف فئة محددة المعالم، مما يعني عدم تعميم الفكرة على كافة حراك المجتمع المتدين في السعودية، وعلى رغم تفاهة كثير من حلقات المسلسل ومشاهده الأمر الذي يضعف العمل فنيا إلا أن الضجة حصلت على هذا المسلسل كما حصل لطاش قبل سنوات.
البعض ممن أعجبه نقد سيلفي لمظاهر التدين الخداع، أو الإرهاب المتمثل في نقد داعش والسخرية منهم ذهبوا إلى أن الفن يهدف إلى حمل رسالة محددة، مما يعني أنهم أعطوا الفن قيمة توعوية ذات أهداف محددة ومقصودة وفي رأيي أن الفن ليس رسالة وإنما هو فن خالص لا يحمل أية قيمة غير القيمة الفنية بعيدا عن أي إسقاطات، وإن كانت موجودة فهي من قبيل ما هو موجود في الحياة ويتكئ عليه الفن وليس حملا لقيمة رسالية يمكن أن يحققها الفن من خلال ذلك، ما أعني أن الانتصار للفن أهم بكثير من الانتصار لـ"الأيديولوجيا" الفكرية سواء تلك التي تذهب في صالح الأعمال الفنية أو تقف ضدها.
لكن ما حصل أن الفن قد أُخذ من خلال هذا المسلسل إلى مناطق لم تكن في الحسبان، فهل فعلا كان الفن يهدد المجتمع المتدين؟ وهل مجتمعنا بهذه الهشاشة التي يمكن أن تهدده الأعمال الفنية؟ وهل قيمنا بهذه الضعف التي يمكن أن تنهار لمجرد مشاهدة بعض الأعمال؟ أم أن القضية لا تعدو كونها رفضا للحراك المجتمعي الذي فلت من عقال الخطاب الديني حين كان مسيطرا وضاغطا على حريات الناس وخياراتهم الفردية طيلة السنوات الثلاثين السابقة، بحيث وضعه الفن والمسلسل بشكل خاص تحت طائلة العدسة المكبرة؟
لنأخذ السينما كمثال بحكم قربها من مجال الأعمال الفنية البصرية ومنها (سيلفي) بالطبع. كانت السينما موجودة في المجتمع السعودي ومازال الناس يتحدثون عنها وكأنهم يتحدثون عن "كائن أسطوري" كان موجودا على أرض الجزيرة العربية ثم اختفى فلم نستطع التمتع بمشاهدة هذا الكائن العجيب بالنسبة لنا نحن أبناء الأجيال اللاحقة، وما زالت ممنوعة في غير جمعيات الثقافة والفنون.
الفنون بشكل عام، ومنها المسلسلات والسينما وغيرها، أدوات تعبيرية وأدوات اقتصادية أيضا حالها كحال الفنون الأخرى، ولا تستدعي كل هذا الهياج في الاعتراض، وكأننا أمام تحولات خطيرة جدا سوف تفسد أخلاق الشبيبة والذين يتابعون الفضائيات بشكل يومي وهي التي حصل لها كما حصل للسينما من اعتراض نسيه الناس أو تناسوه.
إن الجدل الذي يثيره مسلسل ضعيف _ في رأيي _ من الناحية الفنية، يفتح أمامنا بوابة من التساؤلات الذهنية عن علاقتنا بالفنون عامة، بغض النظر عن المستوى الفني، وهي علاقة للأسف لا تتسم بالتصالح بقدر ما أنها نوع من الترفيه الذي لا طائل من ورائه؛ هذا إذا استطاعت الإفلات من قبضة المحرمات والضلال والفسق والمجون، في حين أنه يتعدى ذلك لدى الأمم المتحضرة إلى صياغة وجدانية ورؤية تعبيرية عن الحياة والناس والكون، فهي عمل إنساني يستحق الاهتمام كما أنها مؤشر لتقدم المجتمعات أو تراجعها، والذين يرفضون الفن كونه لا يحقق التقدم لأي أمة، فإنهم بذلك يكونون مخطئين بحكم أن ما تبقى من الحضارات الأخرى هي فنونها، "وإذا كانت العلوم تعقلن العلاقات بين الأشياء، فإن الفنون تؤنسنها" كما يقول الدكتور: معجب الزهراني. فالحضارات المتقدمة تعطي جانبا قويا من جوانبها الثقافية للفنون عامة، والذين يرفضون الفن إنما يفرضون قيمة إنسانية متأصلة في الجنس البشري حتى وإن كانت من قبيل فن جديد هو الفن البصري بكل أنواعه.
الإنسان الأول مارس الفن في تعبيره للحياة قبل أن يمارس الحضارة كعقل وعلم، ما يعني أن الفن إحدى خطوات التقدم الإنساني، ومع تطور الحياة؛ فإنه من الطبيعي أن تتطور الفنون وتأخذ أشكالا أخرى، ولعل الدراما البصرية كانت الشكل الجديد من الفنون، وهي فن عصرنا الحديث بامتياز، ما يعني أيضا أنها هي ما يحقق لنا تميزنا الفني؛ لذلك من الطبيعي أن تكتسح الآفاق انتشارا خلافا للفنون الأخرى التي لم تستطع حتى الآن أن تصل إلى ما وصل إليه الفن البصري المتحرك "مسلسلات، سينما" من جماهيرية، ذلك أنها تعبير عن ذواتنا العصرية والمحقق الفني لطموحاتنا المعاصرة، وهذا ما جعل بعض نقاد ما بعد الحداثة يفردون كتابات خاصة لتحليل الأعمال السينمائية كـ(جيل دولوز أو ميشيل فوكو).
إذن.. فالذين يقفون مواقف مناهضة للفنون البصرية إنما يرتكزون على الموقف القديم من الفن عموما، وليس من المسلسل المذكور فقط خاصة في تلك التي تخاطب عموم الجماهير، والأعمال الفنية البصرية من أقوى تلك الأعمال التي تخاطب الناس بكل توجهاتهم وأجناسهم، وهي كذلك عمل ثقافي حاله كحال أي عمل فني آخر، والفنون من أهم الأعمال الثقافية بل "تكاد" أن تنطبع الثقافة بالفن على اختلاف أشكاله: الفن الكتابي، الفن البصري، الفن السماعي، الفن الحركي.. وغيرها من الفنون الأخرى، والدراما تختزل هذه الفنون جميعها خلال ساعات قليلة حتى لو دخل الحس التجاري فيها؛ إلا أنها تبقى فنا أصيلا، ما يعني أن وجودها وجود ثقافي في الأساس؛ لكن يبدو أن نظرتنا للثقافة فيها نوع من الخلل فضلا عن الفن، فالذين رفضوا وجود الأعمال الفنية لهم مواقف أخرى من عموم الثقافة وليس فقط الثقافة البصرية كالمواقف الرافضة لمعارض الكتاب أو المهرجانات الثقافية في أكثر من مكان ولكن هذا موضوع آخر يطول الحديث فيه.