ونحن في موسم الزواجات سأحاول أن أحدثكم عنها حديث العقلاء انطلاقا من المثل الدارج: "حدث العاقل بما يليق.". وسأطرح شواهد وإحصائيات يراها الجميع حتى يكون للحديث مصداقية. لدي إحصائيتان أولاهما من وزارة العدل عام 2013 تقول إن عدد الزيجات في المملكة بلغ 162 ألف زيجة سنويا، والأخرى من جريدة الاقتصادية نشرت هذا العام وتقول: "أظهرت إحصائية حديثة أن المحاكم السعودية سجلت نحو 102757 عقد نكاح خلال العام الماضي 1435". دعونا نأخذ الإحصائية الأقل وهي 102757 زواجا في العام ودعونا نحسب سويا ماذا يتم في هذه الزواجات من تكاليف، آخذين المتوسط الذي تدفعه الطبقة المتوسطة في الوطن. ولنبدأ بتكاليف القاعة التي لا تقل عن 100 ألف بتوابعها من وليمة وورود وحلويات وغيرها. وإذا افترضنا حضور 200 مدعوة للحفل بتكاليف فساتينهن ومعدلها 1500 للفستان على أقل تقدير مضروبة في 200 مدعوة نخرج بتكاليف قدرها 300 ألف ريال، ودعونا نأخذ فقط 500 ريال للذهب مضروبة أيضا في 200 مدعوة تساوي 100 ألف ريال. وتكاليف المكياج وخلافه 200 ريال لعدد 200 تساوي 40 ألف ريال هنا تصل تكاليف الزواج الواحد على الوطن 540 ألف ريال نضربها في عدد الزيجات السنوية 102757 لتصل تكاليف الزواج السنوية في المملكة إلى 55 مليارا ونصف المليار ريال سنويا. هذا مبلغ كبير له عواقب وخيمة من عدة وجوه اجتماعية أولا واقتصادية ثانيا. ولأن العوامل الاجتماعية أهم وتحتاج إلى شرح مستفيض سأبدأ بالعوامل الاقتصادية أولا.. ولا يقول لي أحد إن هذه قوة شرائية تخدم الاقتصاد لأن الرد الفوري والصحيح هو أن ذلك صحيح إذا كان الإنتاج محليا وليس مستوردا. لكن ذلك يشكل خللا في الميزان الاقتصادي بزيادة نسبة المستورد. وهنا المشكلة إضافة إلى إنهاك ميزانيات المواطنين وإجبارهم على الاقتراض في حالات الزواج. هذا بشكل مبسط من الناحية الاقتصادية، أما من الناحية الاجتماعية فالقصة أعقد وأكبر فداحة مما يطيق المجتمع، وذلك بالعزوف الذي نراه من الذكور عن الزواج في السن التي يُفترض أن يتزوجوا فيها، ما يستدعي بقوة دراسات علمية يتم بواسطتها إقامة ندوات لمناقشة هذه الظاهرة من بعض أساتذة جامعاتنا الأجلاء المتخصصين. وهنا لا أدعي أنني أقدم حلولا لكنني أطرح أسئلة لا بد من تناولها بالدراسة والبحث الميداني العلمي الذي يمكن أن يقدم توصيات وآليات ترتقي للتعامل مع هذه المشكلة بنجاح، وحتى ننجح في عمل تلك الدراسات ربما يكون من الأفضل أن يشترك الشباب أنفسهم -ليس فقط كعينات- بل أيضا كمشاركين بالفعل في تصميم منهجية البحث وبناء فرضياته وطرح أسئلته.
العزوف عن الزواج سببه بالدرجة الأولى هذه المبالغ الطائلة التي تصرف على الزواجات دون وجه حق، وهي المشكلة الأولى والأساسية التي يعاني منها الشباب. فضلا عن مشكلتي الإسكان والتوظيف. هناك الكثير من الفرضيات والعديد من الأسئلة حول مشكلة التكاليف التي تسبب عزوف الشباب عن الزواج. ودراستها ومعرفة أسبابها والحد من تفاقمها أمر في غاية الأهمية لحماية أبناء المجتمع من الانحراف الناتج عن تبعات هذه الظاهرة، وإذا تم التعرف على أسبابها فلا بد من المبادرة في حلها، وقد يكون من القرارات تعديل أنظمة قديمة أو وضع أنظمة جديدة. وقد يكون من ضمن ذلك إصدار قوانين تحد من المبالغة في تكاليف الزواج، ولا أرى ذلك تدخلا في الحريات الشخصية، بل حل لإشكالية تضر بالوطن.
وفيما يخص الإسكان قد يكون الحل في تعديل أنظمة صندوق التنمية العقاري بحيث يساوي بين الشاب الذي لم يتزوج بعد ورب العائلة، بل حتى عكس أنظمته بحيث يكون الشاب أولى من رب العائلة ويرافق ذلك توضيح صريح لأفراد المجتمع أن هذا تم بناء على دراسات وتوصيات علمية بنيت على بحوث علمية اتضح من خلالها أن هذا يهدف لحماية المجتمع من ظواهر جديدة تؤدي إلى الإخلال بقيمه ومثله وحتى دينه. عزوف الشباب عن الزواج بسبب تكاليفه مشكلة كبيرة لا بد من الاستعجال في حلها. سلامة المجتمع والحرص عليه في عالم متغير متبدل متلون واجبة على أفراده. مجتمعنا له من القيم السامية ما يجب الحفاظ عليها ونحن ندرك تماما ما لهذا العزوف من مخاطر.
المجتمع كله لا بد أن يتضافر ويتعاون مع الدولة لحل هذه المشكلة. فبدون مشاركة فاعلة من المجتمع لا تتوقعوا أننا سنصل إلى حلول. هذا أمر يتعلق بالشباب ومستقبلهم ودينهم وأخلاقهم ومثلهم وقيمهم، وباقتصادهم الذي يعتبر أيضا أمرا مهما.
تكاليف الزواج السبب الأول في عزوف الشباب عن الزواج، والسبب الرئيس للعديد من المشكلات الاجتماعية المتفاقمة لدينا، التي لا تخفى علينا جميعا.. فإلى متى الصمت وعدم المبادرة لإيجاد الحلول لهذه المشكلة أو هذه الظاهرة الاجتماعية؟