تُعتبر المملكة الدولة الرئيسية الوحيدة التي لا يوجد بها صندوق سيادي بالمعنى المتعارف عليه، على الرغم من ضخامة الوفورات التي حققتها المملكة خلال السنوات والعقود الماضية، وعلى الرغم من وجود عدة مؤسسات مالية تقوم بدور استثمار تلك الوفورات.

تحرص معظم الدول التي تتمتع بفوائض مالية على إنشاء صناديق سيادية لاستثمار تلك الفوائض وفق سياسة بعيدة المدى، تهدف إلى حماية الاقتصاد أمام الأزمات العالمية، وفترات الركود الاقتصادي، وفي الوقت نفسه توفر مصدراً للثروة والدخل للأجيال القادمة. ويبلغ إجمالي حجم الصناديق السيادية حول العالم نحو (7.3) تريليونات دولار، منها نحو (4.2) تريليونات تخص الدول البترولية أغلبها دول أعضاء في مجلس التعاون.

ونجد الإحصائيات العالمية حول الوضع في المملكة متضاربة حين تتطرق لهذا الموضوع بسبب الخلاف حول التعريفات وعدم توفر المعلومات الدقيقة. ففي حين يُدرج "معهد الصناديق السيادية" احتياطياتِ مؤسسة النقد العربي السعودي كما لو كانت صندوقا سياديا، فإن صندوق الاستثمارات العامة هو الأقرب لتعريف الصندوق السيادي من احتياطيات المؤسسة. ومهما كانت التعريفات، فإن المملكة تحتفظ بوفورات ضخمة تتجاوز (3) تريليونات ريال في المؤسسات المختلفة.

وفي ظل الظروف الحالية التي نمرّ بها بعد انخفاض سعر النفط بأكثر من 60% خلال عام واحد، واحتمالات استمرار ذلك التدهور أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً لتأسيس صندوق سيادي لإدارة الثروة الوطنية. يعزز موارد الدولة، ويحفّز الاقتصاد السعودي ويرفع معدلات نموه، ويُسهم في زيادة رفاهية المواطن السعودي، ويوفر ضماناً لمستقبل الأجيال القادمة، ويضخ لدى الحاجة استثمارات بصفة مستمرّة ومُزَمَّنة بما يتوافق مع احتياجات الدورة الاقتصادية، بحيث تزيد وقت الركود لتحصين الاقتصاد من آثار الأزمات الاقتصادية الخارجية. وفي كل ذلك يُدار الصندوق السيادي على أسس مالية احترافية سليمة توازن بين المخاطر والمكاسب، وتتبع سياسة استثمارية بعيدة المدى، وتعمل على تنمية بدائل اقتصادية تصب في مصلحة الأجيال القادمة، بعد نفاد البترول أو تدهور أسعاره.

وتعتبر احتياطيات مؤسسة النقد التي تجاوزت في مطلع العام (2,700 مليار ريال)، واستثمارات صندوق الاستثمارات العامة أهم استثمارات حكومية للمملكة في الوقت الحاضر، وهناك صناديق ومحافظ أخرى ولكنها أقل حجماً أو ثمة قيود على التصرف بها، ولذلك نركز الحديث اليوم على هاتين المؤسستين.

أنشئ صندوق الاستثمارات العامة في عام 1971 بهدف تمويل المشروعات الإنتاجية ذات الطابع التجاري أو الإستراتيجي، والتي قد لا يستطيع القطاع الخاص القيام بها منفردا إما لقلة الخبرة أو رأس المال أو كليهما. ومن المشاريع التي مولها الصندوق منذ إنشائه إقامة المصافي البترولية للتكرير، وخطوط الأنابيب، ومستودعات التخزين، ومشاريع النقل الجوي (بما في ذلك تمويل أسطول الطائرات)، والنقل البحري، والسكك الحديدية، ومشاريع البتروكيماويات الأساسية والتحويلية، ومشاريع الطاقة، وتحلية المياه المالحة، والتعدين. ويسهم الصندوق في رؤوس أموال عدد من الشركات الوطنية والعربية والدولية.

ويتم التمويل بطرق مختلفة، مثل القروض، التي تجاوزت منذ إنشاء الصندوق (120) مليار ريال، والتملك الجزئي أو الكلي لأسهم الشركات، حيث تجاوزت مساهماته (140) مليار ريال، ويشمل ذلك المشاريع التي تمت الموافقة على تمويلها ولم يتم إنجازها كليا.

وفي خطوة بالغة الأهمية، أصدر مجلس الوزراء قرارا في 23 مارس 2015، ينقل فيه ارتباط صندوق الاستثمارات العامة من وزارة المالية إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بحيث يرأس رئيسُ مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية مجلسَ إدارة الصندوق. ويعين رئيسُ مجلس الوزراء أعضاء مجلس الإدارة. وكان هذا التغيير في ارتباط الصندوق خطوة هامة تعبر عن درجة الأهمية التي توليها الدولة لتنمية استثماراتها. ويتطلع الاقتصاديون إلى تطوير آليات عمل الصندوق في ظل القيادة الجديدة، بما يتوافق مع الأهداف طويلة المدى للصندوق السيادي والتي أشرت إليها في بداية المقال.

وفيما يتعلق باحتياطيات مؤسسة النقد العربي السعودي التي تجاوزت (2,700) مليار دولار في بداية 2015، فإنها تشكل الجزء الأكبر من الثروة المالية للمملكة، ومن المهم أن تدار كصندوق سيادي استثماري طويل المدى، إما بضم جزء من تلك الاحتياطيات إلى صندوق الاستثمارات العامة أو إنشاء صندوق سيادي جديد يديرها.

فخلال السنوات الماضية حققت المملكة فوائض عالية نتيجة الزيادة في إنتاج البترول وارتفاع أسعار النفط الخام. وتم تحويل بعض تلك الفوائض إلى أصول احتياطية تديرها مؤسسة النقد العربي السعودي، أغلبها على هيئة استثمارات في أوراق مالية في الخارج. ومع أن احتياطيات الصين واليابان تتجاوز حجم احتياطيات المؤسسة بالقيمة المطلقة، إلا أن احتياطي المملكة هو الأعلى في العالم العالم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تجاوزت قيمة تلك الأصول (90%) من حجم الاقتصاد السعودي.

وحسب المتعارف عليه دولياً، تستخدم البنوك المركزية الاحتياطي لدعم السياسة النقدية في المقام الأول، أي لتحقيق استقرار العملة على المدى القصير والمتوسط، ولإدارة السيولة النقدية. ولأن الاحتياطي يُستخدم أساسا لهذه الأغراض، فإنه يتم الاحتفاظ به على شكل أوراق نقدية، أو ذهب، أو لدى صندوق النقد الدولي، أو في أوراق مالية قصيرة الأجل يمكن تسييلها خلال فترة وجيزة.

ويُلاحظ أن معظم هذه الأدوات ذات مردود متواضع أو ليس لها أي مردود على الإطلاق، ولكن يتم الاحتفاظ بالاحتياطي على هذا النحو بهدف تقليل المخاطر وزيادة نسبة السيولة. ولكن الأصول الاحتياطية لمؤسسة النقد الآن تجاوزت بمراحل احتياجات السياسة النقدية. فعادة ما يُحدد الحد الأدنى للاحتياطي بما يكفي لتغطية قيمة الواردات لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر. وفي المملكة يعني ذلك نحو (140) مليار ريال أو (38) بليون دولار، في حين أن الاحتياطي الذي تحتفظ به المؤسسة يغطي قيمة واردات أكثر من (60) شهراً، أو نحو عشرين ضعف المستوى المطلوب!

ولذلك، فإنه من الممكن تحويل نحو 80% أو أكثر من احتياطي مؤسسة النقد إلى صندوق الاستثمارات العامة، أو إنشاء صندوق سيادي جديد، لإدارتها وفق سياسة بعيدة المدى، دون إخلال بمتطلبات الاحتياطي النقدي المطلوب.