انطلقت فرحة الأطفال مع شروق شمس نهار الحياة كالمعتاد في أيام الإجازات، كانت الأبواب المفتوحة باكرا تغري البنات بالدخول للبحث عن رفيقاتهن، وتغري الأولاد بالانطلاق في الحارة وتشكيل أحزابهم المعتادة ضد الحارات الأخرى التي تدير لغة القوة، بينما البنات يمارسن صراعات الغيرة والتنافس التي اعتدن عليها! كانت الأبواب تغلق في أيام عمل مدارس المدينة لأن البيوت لا يبقى فيها إلا النساء والصغار غالبا، أما يوم العطلة وبعد ظهر كل يوم فكانت الأبواب مشرعة. في أي زمن كانت هذه الحكاية؟
حاول الزمن أن يخبرنا أين كانت لكنه فقد هويته الشخصية التي تشير لتلك السنة، وبقي عالقا في أذهان الناس دون هوية محددة وربما لم يكن هذا الزمن أبدا؛ وربما ما يزال حلما في عقل أرهقه خياله.
ارتفع صوت أغنية طفولية من جهاز التسلية الأهم التلفزيون وتحلقت البنات حوله.. كانت "شجن" تتعلم مفردات لغة عربية جديدة كل يوم في الحارة التي سكنها بعض العرب، كما كانت تحفظ أناشيدهن وتقحم نفسها بين أترابها وهن ينشدن "فتّحي يا وردة". كانت تحاكي تفتح الوردة وانغلاقها مع أنه لم يسبق لها أن رأت وردة حقيقية! للحياة حساباتها القاسية التي تسكن في قوانينها الصارمة.. عادت شجن يوما محملة بالكلمات والأناشيد ورائحة الزيت والزعتر الشهية التي كانت تنبعث من بيوت الجيران. لم يكن أحد يعطي للزمن قيمة كبيرة، كانت الأزمنة هي الإنجازات المتحققة فيها، وكانت حركة الشمس المقوسة حول صفحة الحياة تراقب هذه الإنجازات، فكانت الحياة مرسومة بدقة تشبه دقة حركة الشمس.
قارعة الطريق تسير عليها الأقدام العابرة، وقد تتوقف قدمان يرقب صاحبهما مبتسما حركة الصغار قليلا لكن دون أن يثير أي ريبة، ثم يبتسم مغادرا المكان بعد أن يطمئن على رتابة فرح الأطفال. ولم تكن المدينة أو طرقاتها تعرف الخوف حينها. مرت سنوات ودعت الأزقة سكانها وحل محلهم سكان عابرون أيضا لبضع سنوات تنقص ولا تزيد. بقيت أسرة شجن ترقب الراحلين وتستقبل القادمين ولم تكن مغادرتهم للحي ممكنة حينها. مرت السنوات سريعا من عمر المدينة وعمر سكانها، كبرت الطفلة وأصبحت زوجة وأماً وغادرت الحي القديم لكن ذلك الحي لم يغادرها أبدا! وفي أثناء سير الأيام نحو غايتها مات والدها، وتراجعت صحة والدتها واحتاجت للبقاء مددا طويلة نزيلة للمستشفى.
في المشفى كانت شجن تسمع الحكايات التي تسكن خلف الأبواب المغلقة، وكانت إحداها حكاية "أم ريم" التي تشارك والدتها الغرفة. كانت أم ريم تتكلم بصعوبة شديدة، ومع الأيام تحسنت صحتها وبدأت تحكي قصتها قائلة: مات زوجي شابا في بداية حياتنا وترك لي بيتا صغيرا وبنات كنّ كل حياتي وما يزلن.
كنت أجد صعوبة شديدة في متابعة الحياة كما كان يفعل زوجي، وكان دخلنا الشهري يحتاج لمعونات من الأقارب أو هبات لبناتي ترفد حياتنا القاسية، قمت بدورين متناقضين الأم الحنون والأب الصارم لكن لم يكن هذا أبدا ما يرهقني، وإنما تمتمات النساء التي كانت تزيد بؤس حياتنا. كانت امرأةٌ من محيط الأسرة تثير الشائعات التي تلفحني بنارها والتي أرهقت قلبي في النهاية، ووجدت نفسي يوما أسقط على الأرض في إحدى المناسبات العائلية ولم أفق إلا في غرفة الإنعاش. أيام المرض زادت قسوة حياتي فلم يمر على فقد زوجي الكثير ولم تزل دموع صغيراتي تسألني عنه، ولم أعلم إلا حينها أن هناك من يتشفى بضعف غيره وقلة حيلته. خرجت من المستشفى وغادرت المدينة المسكونة بالحزن والمرارة وتوجهت إلى بيت الله بعد أن أودعت بناتي عند والدتي المسنة.
سألتها والدتي مستزيدة: وماذا بعد؟
عدلت أم ريم جلستها وهي تقول كان بقائي في الحرم لأيام متوالية ابتهالا وتقربا لله، وكنت أردد: اللهم من أرادني بسوء فأشغله في نفسه، ولم يمض وقت طويل حتى علمت بوفاة إحدى نساء الأسرة، وعرفت -لاحقا- أنها من كانت تثير زوبعة الشائعات حولي ساخرة من بؤسي!
عدت للحياة متسلحة بهدف وحيد وهو بناتي. كانت حكايات "أم ريم" المتقطعة تعبق بالمدينة التي فقدت ملامحها؛ أسماء البنات وذكريات الطفولة والحارة التي تشبه حارتها وكل الحارات التي كانت تسكنها المدينة.
حل وقت الزيارة وجاءت إحدى بنات "أم ريم" فسألتها والدتي أهذه ابنتك؟ فأجابت بل حفيدتي، وبعد انتهاء الموعد أخذت تتابع حديثها:
كنت أحرص على العناية ببناتي وقررت أن أغير حياتنا للأفضل؛ فبعت بيتي الصغير وحصلت على قطعة أرض، وبنيت عليها بيتا جديدا واستثمرت جزءا منه كان سببا في تكوين بداية ثروتي.
اليوم زوجت بناتي، وأمتلك بيتا كبيرا يملؤه أحفادي الأولاد والبنات ويتسابقون على راحتي، لكن آثار مرضي القديم تعودني بين حين وآخر.
انتهت حكاية "أم ريم" بعد أن حفرت في ذهن "شجن" سؤالا مهما: ما الذي يدفع إنسانا ليكون سببا في شقاء غيره؟!