مشكلة العرب أنهم رومانسيون بشكل لا يمكن وصفه، فهم يحبون بشكل سريع ويسهل جرح مشاعرهم بشكل أسرع، وبإمكانهم أن ينقلبوا على المحبوب من شدة التعلق وفظاعة الجرح، تماما كـ"عطيل" الذي قتل زوجته "ديدمونة" لهاجس الشك الذي أصاب عقله المضطرب.

عندما حل بنا ما أسموه "الربيع العربي" لم تلتفت تلك العقول الساذجة إلى مقولة كوندوليزا رايس، عندما وعدت العالم العربي بما أسمته "الفوضى الخلاقة"، فانجرفت الحشود العربية وانساقت خلف رومانسية شعارات "الشعب يريد"، وتناست أن الشعوب في المنطقة لم تفق بعد منذ عقود من مخدر الاستعمار الذي شل كل ما فيها من ابتكار واستقلال، وكرس فيها فكرة المركزية في كل قرار وكل تحرك.

اليوم وبعد نصف عقد من هذا الربيع الخريفي: أين نحن؟ سيقول البعض إن الثورات تحتاج عقودا لتؤثر إيجابيا على الشعوب، وأقول بالمقابل أين هذا التأثير الإيجابي على دول أسست أنظمتها على الثورات منذ عقود طويلة؟ فمصر ثار الشعب على نتائج ثورته ليعود ويثور بعد عام على ثورة لم تدم سنتين! وفي اليمن ثاروا على نظام ثوري! وفي سورية كذلك والجزائر والعراق، كل يثور على ثورته الأم! في حين استمر باقي العالم العربي على رومانسيته يثور بالشعارات ويردد العبارات الرنانة، ويثبت يوما بعد يوم أن الصوت لديه أعلى من أي شيء.

الفوضى الخلاقة التي أسست لحقبة نعيشها اليوم لم تكن لتحلم من أجل تحقيق أهدافها أن نكون صيدا سهلا لهذه الدرجة، فننتج من رحم ذاتنا جماعة تجعل البعض يترحم على جماعة "القاعدة"، والتي ربما لو وصفت بالمقارنة لقلنا عنها إنها جماعة "حمائم"، فـ"داعش" وأخواتها هي الصورة الأكبر والأكثر تطرفا لرومانسية هذه الشعوب المغلوبة على عقلها، فتجد المجرم المغتصب يتحول إلى مجاهد عظيم بين لحظة وأخرى، ويصبح التقي الورع في عين حامل السلاح الديني منقلبا خارجا عن الدين!

هل يمكن لأي منطق إنساني أن يبرر هذا الانقلاب في المفاهيم إلا باعتباره رومانسية مفرطة في التطرف، هل يمكن أن يسحر إنسان ويشل عقله بهذه الطريقة إلا إذا نظرنا إليه باعتباره حالما وعاشقا وعاجزا عن مواجهة الكلمات والشعارات بمنطق عقل يتحرك ويفكر؟

لن يتحرر العرب ما لم يثوروا على رومانسيتهم العقيمة ومنطقهم الذي لا يستخدم فيه العقل بل فقط عاطفتهم المضطربة.