تتأكد يوماً بعد يوم حالة جديدة وذائقة مختلفة في تلقي الحدث الكروي بخاصة في الوسط الرياضي السعودي, ولطالما تحدثنا عنها منذ ما يقرب العقد فكانت الأصوات المسؤولة تصر على خطأ تقديرنا وأن الحدث المحلي هو الأبقى لدى المتلقي بكافة شرائحه ومستوياته, وأعني هنا, مادة كروية طرفها فرق سعودية وأخرى طرفها فرق أوروبية.. لتأتي المصداقية من المتلقي نفسه.. لم ينتظر رئيس تحرير أو رئيس قسم أو مسؤول قناة رياضية أن يحدد ذائقته أو رغباته أين تتجه, وهي التي تحددت وتشكلت بالفعل متجهة بوصلة اهتماماته ورغباته نحو الكرة الأروع والمباريات الأقوى واللعب الأمتع.
مساء أول من أمس تزامن لقاء قمة الجولة التاسعة في دوري زين السعودي للمحترفين وجمع النصر بنظيره الأهلي, مع لقاء قمة بالدوري الإسباني جمع متصدر الدوري مؤقتاً فالنسيا مع حامل اللقب برشلونة.. هذا التزامن أعطى دلالة حقيقية على ما ذهبنا إليه منذ ذلك الوقت حينما تعرفنا على أكثرية تابعت لقاء القمة الإٍسبانية وتجاهلت القمة السعودية, ولسنا هنا نضع مقارنة فنية أو أدائية أو مهارية بين الجانبين, بين دوري هو الأفضل في العالم, وفرقه الأكثر تواجداً في البطولات القارية والعالمية, والنجوم التي تركض في ملاعبه هم الأفضل والأغلى والأمهر في ملاعب العالم ومن ضمن هذه الكوكبة نجوم بطل كأس العالم بجنوب أفريقيا الأخيرة المنتخب الإسباني, إلى جانب تواجد نجوم أفضل منتخبات العالم مثل البرازيل والأرجنتين وفرنسا وهولندا وأوروجواي وألمانيا.. ونحوهم.
فليس على سبيل المقارنة نؤكد تنامي ذائقة جديدة أصبحت ظاهرة لدى المتلقي الكروي السعودي والعربي عموماً, وجانب ثقافي شاع بين هؤلاء المهتمين والمتابعين تشربه المتابع الكروي مع تصاعد أسهم تلك الدوريات والنجوم الدولية فنياً وتجارياً وإعلامياً, في وقت تراجعت مستويات الكرة العربية بشكل ملحوظ وبات من يركض في دورياتنا العربية مجرد لاعبين لا أكثر ولا أقل, فلا نجومية تذكر, ولا إبداع يرى, ولا تألق يشاهد, والنجومية فقط على صفحات الصحف والمواقع الإلكترونية من واقع ضجيج ليس لكثيره مبرر.
مازحني أحد الزملاء, ماذا ستشاهد وتتابع من هذين اللقاءين المهمين, وهو يعلم يقيناً موقفي في مثل هذه المباريات إن كانت محلية أو أوروبية, وأصبحت دقائق مباراة برشلونة وفالنسيا تصلني بعد كل عشر دقائق من أكثر من زميل على اعتقاد منهم أنني قد ذهبت إلى متابعة لقاء الرياض الهام, وكل ذلك ليس عندي بجديد, لكن المؤسف أن هناك من يتبوأ المسؤولية في الصفحات الرياضية يتجاهل هذا الاتجاه الثقافي والمعرفي المتصاعد بين شرائح عدة, فإذا كان أساس وجود الصحف كسب ود القارئ أينما كان, والبحث الدائم عن أكبر شريحة قراء, فإن التوجه المنظم والمقنن والمهني لهذه الظاهرة وبما يتناسب مع ثقافة المتلقي ومستواه الثقافي واللغوي أصبح مطلوباً ليس بمعايير وكالات الأنباء ونوعية أخبارها بقدر ما هي كيفية تعمل فرق العمل في الصحافة الرياضية على البحث عن الآلية والأدوات الملائمة والمعززة لمادة الكرة العالمية على وجه التحديد.
أحد الزملاء لم يتردد في الطرح على مسمعي: (بلا أهلي.. بلا نصر.. خلينا مع البارسا نستمتع بحضرة ميسي وتشابي وانييستا وفيا).. وصدق توقعه في نهاية الأمر.