هنا فقط أكتب اليوم من باب المقاربة ما بين "وزيرين" لأنني بعد خمسة أيام من "رحيله" قد أقول بثقة إن "سعود الفيصل" ربما فاق راحلنا الكبير الآخر "غازي القصيبي" في حجم الأدبيات التي قيلت أو كتبت في تأبين وزير، ربما كان الاثنان، وحدهما، على رأس هرم الذروة المجتمعية في وداع وزير. وهنا سأقول بكل وضوح ما يلي: أنا لن أدعي أنني قرأت كل ما كتب أو قيل في وداع أسطورة "الدبلوماسية" السعودية، ولكنني أستطيع أن أقول بكل اطمئنان إن عشرات التحقيقات الصحافية لم تستطع أن تستعيد لنا صورة "الذاكرة الجمعية" عن وزير بحجم سعود الفيصل. لم أقرأ مثلا، تحقيقا يكتب بمهنية وحرفية تمتحن أدوات "الصحافي" عن وزير استطاع في أحلك الظروف وأشد الأزمات أن يحول بوصلة السياسة العالمية كي تتطابق مع المنهج السياسي والرؤية الدبلوماسية التي يريدها شعبه ووطنه. كانت أعظم مهارات وزير خارجيتنا الراحل قدرته الخارقة على الحشد وبناء التحالف. أكبر من هذا وأهم، كان دبلوماسيا يستطيع النفاذ من النافذة الضيقة عندما يكون بلده وأمته محور هجوم تحت المرآة المكثفة، ومن وجهة نظري فإن تبعات الحادي عشر من سبتمبر كانت أخطر أزمة تعرضت لها السياسة والدبلوماسية السعودية في كل تاريخها الحديث. تعرضت المملكة لهجوم إعلامي وثقافي وسياسي ومع هذا نجح سعود الفيصل في إثبات البرهان المضاد: أن السعودية أولى ضحايا الإرهاب واستطاع بناء التحالف في مواجهته.

وعودا على بدء: تأبين القصيبي لم يكن بحاجة إلى عظيم اجتهاد صحافي لأنه كان يشتغل بالثقافة وهي تبحث عن الإعلام. قد تكون حياة "سعود الفيصل" المكتظة بالتفاصيل تفتقر إلى التوثيق ربما لأن هذا من طبيعة العمل السياسي الذي حتى وإن "وثق" فقد لا ينشر. بعض الوثائق في العمل السياسي تحتاج إلى نصف قرن حتى يفرج عنها بينما القصيدة تلد مباشرة وهي تحاول أن ترضع من الإعلام. هناك عشرات المواقف في حياة الوزير "سعود الفيصل" التي قد تحتاج إلى وقت كي تكون في متناول الجميع. ربما ونهاية، لم يمهله الوقت ليكتب مذكراته وهو ما كنا بحاجة إليه من وزير مثل سعود الفيصل.