الأيديولوجي يتحرك بمنطق الصراع لا منطق الحوار. حين يؤيد فالأيديولوجي يدافع بدلا من أن يحلل أو ينقد، وحين يعارض فهو يهاجم بدلا من أن يتفهّم أو يتواصل. الأيديولوجي مشغول بالتأثير على الجماهير أكثر من أي شيء آخر، لذا فكثير من استراتيجياته الخطابية مدفوعة بهذا الهدف.

تحدثنا عن استراتيجية حشد الأدلة في الخطاب حتى ولو لم تكن متعلقة بالقضية التي يسعى الخطيب الأيديولوجي للتدليل عليها. كثافة الأدلة تولد عند المستمع شعورا بأن عملية التدليل قد تمت بشكل كبير. تحدثنا كذلك عن استراتيجية اختلاق الأسباب الوهمية التي تسعى قبل كل شيء إلى تبرئة الذات ولوم الآخر المختلف الذي هو دائما عدو وخصم. الإحالة على ما لا يمكن التأكد منه استراتيجية أخرى. الحتمية أو الصيرورة التاريخية والقدر أمثلة على تلك المرجعيات. الآن نستكمل علامات التفكير الأيديولوجي.

12- التمييز بين العقيدة وحامليها:

حين يتعرض الأيديولوجي إلى إحراجات من نوع تصرفات يقوم بها بعض المنتمين لمنظومته الأيديولوجية فإنه يسعى وبسرعة للفصل بين المعتقد الذي هو جوهري ومثالي وصالح، وبين تطبيقات المؤمنين بالخطأ للمذهب بل للأتباع ونجد أنه لا يرضى بهذا التفسير في الاتجاه المقابل؛ فنجده يستدل على خطأ الأفكار المخالفة مستدلاً بتصرفات معتنقيها. هذه الاستراتيجية مشكلة جدا فهي من جهة تفصل الفكر عن الواقع ومن جهة لها جاذبية نفسية عميقة باعتبارها تبرئ الأنا العليا للذات. الخلل في التطبيق لا في النظرية يعني أن لدينا وسيلة أخرى للحكم على النظرية بدون أن نختبرها في الواقع. هذه مشكلة خصوصا في الفكر الأيديولوجي الذي هو في الأخير فكر سياسي مشغول بالواقع. المعضلة تتحقق كالتالي: لدينا فكر يهدف للتغيير الواقع أو الحفاظ عليه (التفكير السياسي الأيديولوجي) ولكنه في ذات الوقت يرفض محاكمة النظرية للواقع. لذا فالأيديولوجيا عقيدة متجاوزة لمحاكمة الواقع وهو ما يجعلها كارثة متى ما استعملت كنظرية لتفسير أو تغيير الواقع. الأيديولوجيا العقيدة عصية على التغيير مهما كانت نتائجها كارثية؛ ولذا فهي تجعل الناس أمام خيارين حادين: الإيمان بها إيمانا مطلقا أو معارضتها معارضة جذرية. الأيديولوجيا فكر مراوغ فهي من جهة فكر قائم على تقديس المرجعيات الفردية كرموز ونماذج، ومن جهة أخرى لا يقبل تحميل نتائج أفعال تلك الرموز والمرجعيات للفكر ذاته. الحل هو حماية الرموز من النقد من خلال تخوين من يحاول نقدهم أو التشكيك في نتائج أعمالهم. "الأخ الأكبر" رواية جورج أورويل مثال مهم على أساليب الأيديولوجيا في حماية الرمز الأيديولوجي من النقد واختبار الواقع.

13ـ الامتثال التلقائي لسلطة الأحكام المسبقة:

تؤسس كثير من البيئات لأفراد مؤمنين أكثر من كونهم مفكرين وناقدين. والأيديولوجيا مبنية على هذه الفكرة لذلك فإنها تبنى على أحكام وآراء معينة وتمارس على متلقيها نوعا من التعمية يجعلهم لا يرون إلا هي ويجعلهم غير محتاجين ولا مدفوعين لمناقشتها والتشكيك فيها ثم إن هذه الأحكام تستخدم في الخطاب الأيديولوجي كمبادئ، أو لحسم أي خلاف يمكن أن ينشأ ويخشى منه أن يتطور إلى أن يصل إلى مرحلة التشكيك في المبادئ التأسيسية. باختصار يمكننا القول: إن الخطاب الأيديولوجي خطاب تسليمي وليس خطابا شكيا. تاريخيا يمكن ملاحظة علاقة عكسية بين تبني الدول لأيديولوجيات محددة وبين ارتفاع حريات التعبير والتفكير. الأيديولوجيا تؤسس لجو أحادي باعتبار أن التعدد والاختلاف والتنوع يفتّ في عضد الهدف الأساس وهو تحويل الأفراد إلى أدوات لتنفيذ الرؤية الأيديولوجية للتاريخ والحياة. في الأيديولوجيات الثورية الماركسية مثلا كان أمام الناس خيارا واحدا في حياتهم وهو الثورة حسب التصور الماركسي تحديدا. أي خروج على هذه الخطة يعدّ عداوة للمجتمع وخيانة للنظام العام يجب تصفيته. الأيديولوجيا الدينية تمارس سلوكا مباشرا من خلال تكفير أو تضليل من يختلف مع تصوراتها للحياة والتاريخ والسياسة. أجواء الطاعة والتسليم تحتاج إلى العمل على تحصين عدد كبير من الأفكار وتحويلها إلى تابوّات لا يمكن المساس بها؛ لذا في المجتمعات الأيديولوجية تكثر الرموز والألغاز والكتابة بين السطور. يحكي الروائي (نجيب محفوظ) أنه مع قدوم حكم العسكر الناصري في مصر لجأ هو للكتابة الرمزية باعتبار أن الكتابة المباشرة أصبحت خطيرة في نظام أيديولوجي ملأ المجال العام بالمحرمات الممنوعة.

هنا أيضا يمكن ملاحظة قوة ارتباط الأيديولوجيا بالتعليم وطبيعة الاستعمال الأيديولوجي للتعليم. التعليم العام يؤسس جزءا مهما من القاعدة الفكرية للمواطنين الصغار؛ ولذا تحرص الدولة الأيديولوجية على أن يكون التعليم تحت سيطرتها بالكامل وأن يحقق أهدافها بشكل دقيق. غالبا ما يكون التعليم مركزيا جدا في مثل هذه المجتمعات. التعليم هنا ليس بيئة تعطي الطالبة أو الطالب أدوات البحث والتفكير بل عملية مكثّفة من غرس وتحصين مجموعة من الأفكار الأساسية في البناء الأيديولوجي. الهدف هنا هو تحويل مجموعة المبادئ الأساسية وما يلحق بها من تقديسات للرموز والمراجع إلى جزء من التفكير التلقائي لدى الأفراد، والذي يصعب على الكثير تجاوزه أو حتى الوعي بالطريقة التي تشكّل بها.

في المقالة المقبلة المزيد من تحليل طبيعة التفكير الأيديولوجي التي لن تكون غريبة علينا، خصوصا داخل هذا الصراع الطائفي والسياسي الذي نعيشه لحظة بلحظة.